المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد حامد Headshot

"المسيري" أكثر الواصلين عقلانية

تم النشر: تم التحديث:

لم أكن من محيط الدكتور عبد الوهاب المسيري، ولم أواظب على حضور صالونه الذي كان ينظمه بصورة دورية، ولم ألمّ بكل ما كتبه كما فعل الكثيرون من النجباء، وبالطبع لم أكن من تلاميذه في كلية البنات، التي كان يدرس بها تاريخ الأدب الإنكليزي.

ولكن أحب دائماً أن أربط تأثري بالمسيري بالرابط الشخصي، رغم قلة مقابلتي له أو مناقشته، فإن تأثيره في وجداني انعكس على طريقة تفكيري وتعاملي مع الحياة في مجملها، وهو من هذا النوع من الأساتذة الذي يغير بأقل مجهود وبأقل تواصل.

أول كتاب قرأته وما زلت أراجعه للدكتور المسيري هو سيرته الذاتية "رحلتي الفكرية من البذور والجذور والثمر"، وهو في رأيي كتاب جامع لفكر الدكتور، الذي لا يستقيم أن تكون مثقفاً غير متخصص ولا تقرأه أو تحفظ أجزاء منه، وهو الكتاب الممتع قراءة، الثري أفكاراً، الجامع لفلسفة الحداثة وما بعدها في أسلوب روائي لا يمل منه.

بهذا الكتاب أحسست الدكتور المسيري قبل أن أفهمه، وهي المرحلة التي سبقت مداومتي كأحد أبناء جمعية مصر للثقافة والحوار على درسه الشهري في أروقة الجمعية.

وكم أحب أن أمارس النوستالجيا، وأذكر كم كنت غراً مندفعاً وأنا أعترض على جملة أو فكرة يطرحها الدكتور المسيري ولم أفهمها جيداً أو رأيت أنها غير صائبة، كأي طالب علم يحاول أن يستفز معلمه.

ولكن الآن أستحضر وفاته والعزاء الذي أقامه حزب الوسط الجديد ووقوفي متقبلاً العزاء مدركاً أن تأثير الدكتور المسيري تعدى حدود طالب علم وأستاذه إلى تغير في وجدان وطريقة التفكير، والاعتراضات الطفولية أصبحت انفتاحات فكرية في عقلي.

أتذكر أفكاره عن النموذج المعرفي والنموذج التفسيري، وكيف اكتسبت بعداً جديداً وعمقاً في فهمي للأمور الحياتية والسياسية والاجتماعية، أو أفكاره عن الدولة الوظيفية وإسرائيل نموذجاً، وكيف ساعدني ذلك على فهم وظيفتها الآن التي تعدت من خادمة لمصالح الغرب إلى استغلال ذلك من رؤساء بعض الدول العربية، والتي وجدت في إسرائيل معبرها إلى السيطرة على مقدرات شعوبها، والاحتفاظ بمواقعهم في إدارتهم لبلادهم في مقابل الخضوع لشروط إسرائيل.

إن مساحات تميز الدكتور المسيري وتأثيره تعدت الجانب الأكاديمي، ومحافل البحث العلمي، إلى مشاركة مؤثرة في الحياة السياسية، ففي الوقت الذي وصلت فيه حركة "كفاية" إلى مرحلة من الاهتزاز وانعدام المصداقية والانفصال عن المجتمع نتيجة الاختراقات الأمنية والانشقاقات الأيديولوجية، كانت في حاجة إلى من يعيد إليها رونقها ويكسبها بعض الاحترام كالذي بدأت به كحركة احتجاجية معارضة متعدية الأيديولوجيات ذات هدف واحد ولا تتبع لأحد، وهو أمر احتاج شخصية عامة مستنيرة محترمة كالدكتور "المسيري"، وأنا أزعم أنني أول من رأى مناسبة أن يكون الدكتور المسيري المنسق للحركة، وذلك في إحدى الجلسات الدورية مع الأستاذ جورج إسحاق.

وهو بالفعل ما قد ساعد في إعادة إحياء الحركة بصورة أكثر نضجاً واحتراماً، وهو جانب في الدكتور المسيري لم أكن رأيته فيه من قبل، ولكن شعرت به، شعرت بحماس الشاب عندما يتحدث عن الجماعة الوطنية، وعن كرهه للاستبداد، ونظرته للوطن بكل تفاصيله، واستعداده للتضحية في سبيل مكانته، وهي أفكار وقناعات حتى لو أنها مكتوبة أو نقلها الدكتور إلى محيطه وتلامذته تحتاج لتفعيلها شخصاً شعر بالدكتور وأحس بثوريته، ثم رأى تلك الحماسة وكيف يتم توظيفها، والأجمل أن الدكتور قد تفوق على نفسه في نضاله، وما كانت الصورة الشهيرة له وهو محاط بالعساكر مندفعاً بصدره إليهم، محاولاً حماية الشباب من أن ينكل بهم.

أحب أن أتذكر الدكتور المسيري كأحد الواصلين إلى الله بالعقل لا بالنقل، بالحب لا بالجبر، بالسباحة في الفكر لا بالتناسق في العبادات، من أبواب نقده لآراء ابن عربي وحديثه عن الدكتور علي عزت بيغوفيتش هذا دائماً ما أراه في فكر الدكتور المسيري، فيلسوف اخترق كل طبقات العلم الفلسفي بحثاً عن الحقيقة، فوصل إلى الله.. وهذا أيضاً بسهولة نستطيع أن نجده في كتابه السيرة الذاتية، عندما انتقد النموذج الغربي وتوقعه بانهيار منظومة القيم فالغرب، والمطالبة بسرعة استبدالها بمنظومة لا تبني على المصلحة والفائدة، وتبادل المنفعة بل تبني على أساس تراحمي، يتيح للمشاعر والقيم المستخلصة من الأديان السماوية مكانة ومكاناً.

رحم الله الدكتور المسيري، وأثابه على علمه الذي فتح به مداركنا وعقولنا وقلوبنا على التقرب من الله سبحانه وتعالى.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.