المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد حسين زيدان Headshot

نفحة رمضانية

تم النشر: تم التحديث:

"قوم يا عّم الشيخ الضهر قرب يأذن".

صرخ بها أحدهم محاولاً إيقاظي من نوم لم أهنأ به..

اخترقت كلماته أذني فعادت آلام ظهري من وقع الحصى الذي ملأ أرضية المسجد جراء التجديدات..

حاولت أن أتغافله بحصيرة قديمة أغطي بها رأسي عائداً إلى نوم غير هانئ.

أرقب الصوت وقد أخذ في الفتور كلما ابتعد صاحبه عني.

لا أدري كم من الوقت مضى فإذا بي أفيق مذعوراً بصرخة أخرى من نفس الحنجرة:

" يا عّم الشيخ الأدان.. انت مش سامعه ولا إيه؟!".

حاولت التظاهر بأني قد استيقظت وسعيت جاهداً ألا أنظر إلى وجهه حتى لا يبدأ حواراً لا أرغب فيه.

أدار ظهره عائداً إلى البقية الباقية التي ما زالت تصارع النوم مثلي.

فجأة وقت عيني على سجادة ضخمة مطوية (جديدة هي.. قد أعدوها لحين الانتهاء من ترميماتهم).

طويت نفسي داخل تلك السجادة هارباً من صاحب الصوت الجهور.. راجياً في نوم أبحث عنه يومين كاملين منذ قدمت إلى هذا المسجد.

"يا عّم الشيخ والله حرام عليك.. ده انت في بيت ربنا وفي رمضان وفي العشر الأواخر كمان ومش عايز تقوم تصلي!!!.. طب إنتو بتعتكفوا ليه بقى؟! يا عّم قوووووم بقى".

مزيج من مشاعر الخجل والغضب امتزجت معاً والتحمت مع ضربات قلب متسارعة من صدمة اكتشاف الوكر العلني.

"يا عّم الحاج هو مفيش غيري في المسجد كله؟!.. أنا ما نمتش من امبارح.. حاضر هأقوم أصلي بس حبة كده".

"حبة مين يا عّم الشيخ.. ده الراجل أقام الصلاة.. يلا قوم حرام عليك الصلاة..".

"أستغفر الله.. أستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم".

لا أتذكر كم عدد مرات الاستغفار التي ذُكرت وهو يركض ليلحق بركب المصلين وهم يصطفون أمام ربهم..

حينها فقط أدركت أني قد ظفرت بالنوم وعدت لوكري (السجادة)..

مضى من الوقت ما مضى.. وأخيراً استيقظت..

ذهبت للميضة (مكان الوضوء).. وعدت حتى أصلي صلاة الظهر.. (وحيداً) في مسجد قلما تتوقف فيه صلاة الجماعة من كثرة مَن فيه خاصة في تلك الفترة من كل عام..

ما هي إلا دقائق ورُفع أذان العصر.. صليت معهم.

وبعد الصلاة.. ركنت ظهري على أحد أعمدة المسجد الضخمة في آخر المسجد وتركت لعيني العنان لترقب ما يدور حولي.. وتركت لعقلي اللجام لأسترجع شريط ما حدث منذ أن قدمت.. آلام في كل ظهري.. علامات التشقق بدأت تظهر في عقبي قدمي.. صداع يكاد يطير منه عقلي.. ثقل شديد على قلبي من وطء التكليفات (صيام.. صلاة على أوقاتها.. قيام.. تهجد.. وضوء في منتصف الليل والبرد يكاد يشق وجهي).. دعوت الله بدعاء عجيب.. ما زلت أذكره.. ما زلت أحفظه.. هو من قذف بهذا الدعاء في قلبي:

"يا رب ألهمني بحجة أقنع نفسي بها للخروج من هذا المسجد ولا أندم بعدها عندما أعود لبيتي".

وأخذ عقلي يبحث بعزم وجد عن تلك الحجة.. باب المسجد قريب جداً مني.. باب المسجد مفتوح.. دقائق معدودة وأعود إلى سريري وإلى غرفتي، إلى أهلي وأصدقائي، تنقصني الحجة لأخرج من هنا، ما زال عقلي يبحث وعيناي تنظران في عبث.. وفجأة وقعت عيناي على مشهد غريب، كلما تذكرته اقشعر منه قلبي وجلدي إلى الآن.. رأيتهم في صحن المسجد جالسين، يتمتمون بكلمات غير مفهومة، لا.. بل هي أدعية (أذكار المساء)، بل هي آيات وردهم اليومي، كل على حدة.. ولهم طنين كطنين النحل، كان هناك شعاع شمس يحيط بهم على خجل قبل أن يودعهم معلناً قرب إفطارهم، صوتهم عذب ومشهدهم تملّك من قلبي قبل عقلي، نسيت حيلتي، ذهبت آلام ظهري، اختمر عقلي من رؤيتهم فخنس صداعه، لم أفق من هذا الخمر إلا وأنا مرتمٍ بينهم أغوص في هذا البحر الرائق، أحسبها قد أصابتني، أظنها نفحة رمضانية، أو نفحة قرآنية، بل لعلها نفحة ربانية، أذهبت عني رجس نفسي، وبقيت في المسجد، وأتممت العشر..

سبحانه! ألهمني دعاء الفرار منه وحرمني الإجابة،

أغلق عني السجن الذي أردت الفرار إليه، فك عني قيد الأسر وفتح لي باب الحق، أردت الحرية وأرادني عبداً، فكانت إرادته هي النافذة، وكانت البداية، والحمد لله.. اللهم الثبات حتى النهاية.

اللهم_تقبّل_منا_رمضان
اللهم_ارحم_عمرو_بن_العاص
حسن_الظن_بالله

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.