المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 أحمد جمال محمد Headshot

في هجاء مدعي الثقافة وأشباه المثقفين!

تم النشر: تم التحديث:

يقول الأديب زكي نجيب محمود في تعريف المثقف: "هو شخص يحمل في ذهنه أفكاراً، من إبداعه هو أو من إبداع سواه، ويعتقد بأن تلك الأفكار جديرة بأن تجد طريقها إلى التطبيق في حياة الناس، فيكرس جهده لتحقيق هذا الأمل".

حين ننظر لهذي الأيام التى نعيشها، نرى أن هناكَ العديد والعديد من المفاهيم والثوابت التي تم تغييرها، بل وتم نسفها ليحل مكانها ما لا يروي الظمأ!
صار المثقفُ فى نظر الكثير منا هو ذاكَ الشخص الذى يقرأ كثيرا، وأصبحت القراءةُ ذاتها مهما كان مجالها هي معيار الثقافة الوحيد، ومن هنا أخذ مفهوم الإنسان المثقف في الانحدار بشكلٍ غير مسبوق.

من أقنع هؤلاء أنه من قرأ كتابا هنا ومقالا هناك أو تابع كاتبا هنا أو أديبا هناك، أنه بفعله هذا صار من زمرة المثقفين! من أقنع شريحةً واسعة من الشباب أنه يمكنهم إطلاق لفظ مثقف على كلِ من عرفوا أن لديه ميلاً للقراءة!

من أعطى هؤلاء قدرا ليسوا أهلا له؟ من أنزلهم مكانةً ليست لهم؟ من سلط عليهم ذلك الضوء الذي أنساهم أنفسهم فصاروا يتمادون فيما هم فيه؟ من الذي دفع بهم ليشكلوا عقول جيلٍ كامل غابت عنهم رؤوس المعرفة التى كان لنا أن ننهل من أفكارهم؟

هي أشياء يجبُ أن تتغير تغيراً جذرياً فى عقولناً، فكما أنه ليس للمؤمن من صلاته إلا ما عقل منها، فليس للقارئ من كتابه سوى ما عقل منه فاستوى في وجدانه وروى عطشا مسبقا.
وكم من قارئ يرجعُ من قرائته صفر اليدين، وكم من حاملٍ للكتبِ صار كالحمار يحملُ أسفاراً، فإيقافُ هؤلاء وبمواجهتم بحقيقةِ أنفسهم هي البدايةُ التى يتبعُها كلُ تغييرٍ منشود.

ولم تقف المهزلة عند الحد المذكور، لكنها وصلت أحيانا إلى مهاجمة شخص لشخصٍ آخر بقوله "أنت لا تقرأ للشخص "س" إذاً أنت لست مثقفا، أهناك مثقف لا يقرأ له!".
وترى لهجة التعجب فى كلامه فيتهيأ لك أن هناك جُرما عظيما قد حدث، فأي مهزلة نعيشها.

وعلينا أن نُقرَ حقيقةً أخرى وهى أن الروايات -وحدها- لا تصنعُ مثقفا، وأنَ الكتُب مجردةً لا تصنعُ مثقفا كذلك، فالقراءةُ سبيل للوصولِ لتلك الدرجة لكنها ليست سبيلا منفردا.
من الممكن أن نعتبرَ الروايات فاكهةً مسليةً بعد وجبةِ دسمة، لكن لا يُمكن بأي حالِ من الأحوالِ أن نجعل الروايات هى الوجبات التى يعتمدها القارئ دوما.
فالكتبُ هي ما تشكلُ الأفكار وتأخذُ العقل فى رحلته نحو التحليق فوق خبرات وتجارب السابقين ومنها نستقي المعرفة التي نحتاجها لنوجه دفة أفكارنا.

ليس مطلوبا منك أن تقرأ كلَ شيء عن كلِ شيء، ليس مطلوبا منك أن تبدي رأيك حولَ كلِ مسألة لمجرد أنك قرأت سطرا يمسها من قريب أو من بعيد، يكفيك أن تقرأ عما تهتم وعما يسكن عقلك ويشغل جانبا من اهتمامتك، لن ينجح أحد فى معرفة كل شيء فلا تفشل فى معرفة شيء تهتم به لأجل ما لن تصل إليه!

ليس هذا المفهوم فقط هو ما تم تحريفه، ولكن هناك مفاهيم أخرى طالها إجرامُ من لا يفقه ومن لم يعطِ للغة حقها، فصار الشعرُ للكثيرين أيضا ما هو إلا عبارات تلاقت في نهاياتها، فالشعرُ عندهم هو القافية، القافيةُ فقط.
فلم يراعِ هؤلاء للحرف أوزانا ولا للشعر بحورا وقتلوا معاني الشعر وهم ليسوا بأهل له، فنسبوا لفظةَ شعرٍ لكتاباتٍ وكتبٍ لو رآها السابقون لكان مآلها للحرق لا مفر.

نعود فننبه على حقيقة أخرى، لو أن أحدهم استحق لفظ (مثقف) بمعناها الحقيقي فعلا، فلا يعني ذلك أنه قد حصل على صك الأفضلية المطلقة، ولا يصبح رأيه دوما يصاحبه الصواب، فالأفضلية المطلقةُ لا تُعطى لأحد ورجاحة الرأي دوما ليست صفة ملازمة لأحد، فكلنا -والمثقفون منا- بشر نصيب ونخطئ ، وكم من مثقفِ أودى بكثير منا لطرقٍ كان نهايتها الندم!
ولنا في الثورة المصريةِ آية..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.