المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد فتحي سليمان  Headshot

الحق في الكلمة

تم النشر: تم التحديث:

إذا كان كل البشر يمتلكون رأياً واحداً، وكان هناك شخص واحد فقط يملك رأياً مخالفاً، فإن إسكات هذا الشخص الوحيد لا يختلف عن قيام هذا الشخص الوحيد بإسكات كل بني البشر إذا توفرت له القوة.. (جون ستيوارت ميل).

حكمت المحكمة على المدعو فلان بالسجن لمدة كذا بتهمة ازدراء الأديان، وإهانة مؤسسات الدولة، وترويج الإشاعات والمعلومات الكاذبة، وإذاعة معلومات حكومية بدون تصريح، والحض على الرذيلة، والإضرار بالأمن القومي، والإخلال بالسلم الاجتماعي.. إلى آخر لائحة الاتهامات الطويلة التي تنطبق على الجميع تقريباً وتكفي للإلقاء بنا جميعاً في غياهب السجون.

خبر تطالعنا به الصحف والمواقع الإخبارية كل فترة، وفي كل مرة يثار ذات الجدل حول الحق في التعبير عن الرأي، وكيف يمكن أن تؤدي كلمة بصاحبها للسجن لمدة تصل لخمس سنوات كاملة، بحسب نصوص عقابية متعددة وفضفاضة لحد يثير التعجب.

هل التعبير عن الرأي يمكن اعتباره جريمة؟

وإن كان، فما هو المعيار الذي يمكن تطبيقه للتفرقة بين ممارسة الحق الطبيعي في التعبير عن الرأي بحرية وبين التعسف في استعمال هذا الحق حتى يمثل هذا الاستعمال فعلاً غير مشروع؟

الدستور المصري ينص ككافة الدساتير في العالم الحديث على أن (حرية الفكر والرأي مكفولة ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول، أو الكتابة، أو التصوير، أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر)، ولكن الواقع يطالعنا كل يوم بغير ذلك.

وكذلك الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص على كفالة هذا الحق، إلا أن حرية ممارسته (ككافة الحقوق) ليست مطلقة، أو مجردة من كل قيد.

فتنظيم الحق في التعبير يمثل تحدياً فكرياً وقانونياً كبيراً في كافة النظم القانونية والسياسية، على الرغم من أن الوثائق الدستورية والدولية أفردت نصوصاً عديدة في محاولة لوضع إطار لحكم الموضوع.

فعلى الصعيد الدولي، يحدد العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الإطار الأساسي الذي يقنن هذا الحق، فأقر بجواز إخضاع الحق في التعبير لقيود، ولكن (شريطة أن تكون محددة بنص القانون، وأن تكون ضرورية لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم؛ لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة).


أما الميثاق العربي لحقوق الإنسان، فينص على أنه (تمارس هذه الحقوق والحريات في إطار المقومات الأساسية للمجتمع ولا تخضع إلا للقيود التي يفرضها احترام حقوق الآخرين أو سمعتهم أو حماية الأمن الوطني أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة).

ولا تخرج القوانين الوطنية عادة عن هذا الإطار وقلما تضيف قيوداً إضافية، وبالطبع فإن هذه القيود تبدو فضفاضة للغاية، ولا توجد ضمانة لعدم التعسف في تطبيقها إلا التزام السلطتين التشريعية والقضائية في كل دولة بمقتضيات العدالة وذيوع ثقافة حقوق الإنسان في المجتمع الذي يطبقها.

وإن كان الغاية من غالبية هذه القيود تنصب على منع الخطابات التي تحض على الكراهية لأسباب عرقية أو دينية، والتشهير بالأشخاص والمنتجات التجارية، إلا أن ذلك النطاق أحياناً يمتد ليشمل بعض الآراء ذات الطبيعة السياسية (الكثير من دول أوروبا تحظر الكتابات المهونة من جرائم النازية أو التي تنكر الهولوكوست مثلاً)، فإن كان نطاق حماية حرية التعبير لا يشمل الدعوة لمخالفة القوانين السارية فذلك يعد جريمة في حد ذاته، فذلك يعني بدرجة ما منح الدولة، ممثلة في مؤسساتها الدستورية، الحق في التصدي للآراء التي تمثل خطراً على النظام القائم بالتحريض ضده والطعن في شرعيته، ولكن هذا لا يصح قانوناً إلا إن كانت تلك الآراء خارجة عن نطاق حقوق المواطنة وليست تطبيقاً لها.

فالمواطن من حقه أن يعترض جهراً على سياسات حكومته وأن يعارضها، وعلى القوانين السارية بالبلاد وعلى سلوك المؤسسات والقائمين عليها طالما كان ذلك التعبير سلمياً غير متعسف، ولهذا تعتبر القوانين المحلية التي تجرم الإساءة لرئيس الدولة ومؤسساتها محل انتقاد في الفقه القانوني؛ لأنها تنزع الحصانة التي للمواطن في مواجهة الدولة لصالح مؤسساتها، فتكون تلك النصوص تطبيقاً تعسفياً لحق الدولة في الدفاع عن نفسها، فبدلاً من أن يكون هذا الحق وسيلة للدفاع عن قيم المواطنة، والنظام العام حمايةً للمواطنين يتذرع بها لإصباغ حصانة غير مستحقة على أشخاص الحكومة دوناً عن غيرهم من المواطنين، مما يعد إهداراً للمواطنة.

وإن كانت الغاية من وضع القيود القانونية على الحق في التعبير هي منع التعسف في استعمال هذا الحق فعلى الجانب الآخر أضحت مكافحة التطبيق التعسفي لهذه القيود مطلباً مُلحاً.

فالمشاهد هو إساءة استعمال هذه القيود واستخدامها لقمع المعارضين والتنكيل بهم؛ لأن أغلب النصوص المنظمة لهذه القيود فضفاضة للغاية وتمنح القضاة سلطة تقديرية واسعة، سواء في اعتبار التعبير ذاته مسيئاً أو في تقدير العقوبة الملائمة لصعوبة أن يحدد النص القانوني بالضبط، ما يعد تعبيراً مشروعاً عن الرأي، وما يمثل خروجاً عن الشرعية، فعلى سبيل المثال عقوبة جريمة ازدراء الأديان الشهيرة في قانون العقوبات المصري (كل مَن استغل الدين في الترويج بالقول أو بالكتابة أو بأية وسيلة أخرى لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة أو تحقير أو ازدراء أحد الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها أو الإضرار بالوحدة الوطنية) تتراوح ما بين غرامة 500 جنيه فقط والسجن خمس سنوات! وفي تطبيق نص بهذا الغموض لا نكون مبالغين إن اعتقدنا أن الأحكام تصدر حسب شخصيات القضاة بين متشدد ومتساهل.

ولكن إشكالية الحق في التعبير ليست سياسية أو قانونية في المقام الأول بل هي ثقافية..
قد تبدو المسألة سهلة، علينا أن نكون متسامحين مع كافة الآراء ونفتح الباب أمام الجميع؛ ليعبروا عن ما يعتقدون بلا قيود ولكن.
هل علينا أن نكون متسامحين مع التضليل المتعمد للجماهير الذي تقوم به منابر إعلامية عديدة؟
هل سنكون حقاً متسامحين إن ساوينا بين من يعلن معتقده إرضاء لضميره ومن يعلن رأياً لأغراض تجارية أو سياسية دون قناعة حقيقية؟
قمع الآراء لا يكون فقط بقمع أصحابها، ولكنه يحدث وكثيراً جداً في عالمنا المعاصر من خلال دفنها تحت ركام الأكاذيب.. فهل يعني تسامحنا أن نقبل ضياع الحقائق وتصديق الأكاذيب؟

وإن كان الشق القانوني من الإشكالية قد تمت محاولات لحله من خلال ترسيخ قواعد ومعايير قانونية وقضائية مختلفة لتحديد ما هو إساءة لاستعمال الحق في التعبير كاعتماد المحكمة العليا الأميركية اختبار ميلر (يعتمد مقياس ميلر على ثلاثة أسس هي: مدى قبول طريقة التعبير من غالبية أعضاء المجتمع، إذا كانت طريقة إبداء الرأي تعارض قانوناً، وإذا كانت طريقة عرض الرأي تندرج تحت التصنيف الأدبي أو الفني بشكل جاد)، وقيام أعراف قضائية ترسم للقاضي خطاً استرشادياً من السوابق القضائية، إلا أن محاولة وضع معيار ثقافي ثابت وواضح للمسألة أكثر صعوبة، ولكنها ليست مستحيلة.

الأصل في الحق في التعبير عن الرأي الحرية، ولا ينتقص منه أو يقيد إلا إن كانت ممارسته تعسفية تنتقص من حقوق الآخرين أو تضر بهم، فهو ككافة الحقوق استعماله مقيد بأن يكون بحسن نية، فلا تقوم قرائن على سوء النية كمن يستمر في ترديد شائعة أو معلومات مغلوطة، رغم يسر الوصول إلى الحقيقة أو التنبيه عليه بخطئه، ولا يكون استعمال الحق تعسفياً، لا يقصد باستعماله إلا الإضرار بالغير أو تحقيق مصلحة غير مشروعة أو تافهة، قياساً على الأضرار التي تصيب غيره جراء استعماله هذا الحق.

وهنا مربط الفرس.. لا يمكن فهم الحق في التعبير إلا من خلال فهم المواطنة التي تعني الاحترام المتبادل، والاعتراف المتبادل بالحقوق والحريات والرغبة في التعايش السلمي وحماية المجتمع بكافة أفراده وفئاته على قدم المساواة، فيكون تعبير الشخص عن آرائه في إطار احترام مجتمعه، ويحمي مجتمعه حق الفرد في التعبير احتراماً لحرياته دون تعنت أو تعسف من الفرد أو المجتمع.

فليس القيد الوحيد على حرية الفرد في التعبير ألا يلحق الأذى بغيره، لكن القيد أن يكون هذا التعبير في إطار احترام المجتمع الذي يجب أن يقابل هذا الاحترام بحماية صاحبه، فالتسامح متبادل، وحسن النوايا متوافر، والحرص على العيش المشترك هو الهدف.
ولذا يبدو أن الطريق الأقرب لحماية الحرية في التعبير هو ذات الطريق الذي يحمي كافة الحريات وإقامة مجتمع عادل متماسك.

وتلك هي القضية تحقيق العدل الذي يتطلب تعديل القوانين لتصبح أكثر عقلانية، وتحقيق استقلالية وكفاءة الجهاز القضائي لضمان حيدته، وقبل ذلك أن تتشبع النفوس والعقول بالعدالة والعقلانية، فلا تسمح لأنفسنا بالشماتة في قمع من نختلف معهم، ولا نقدم حريتنا على حريات الآخرين، حتى لا نكون ضحايا لمن يعتقد أن حريته في فعل ما يشاء تعلو على حقنا في الحياة ذاتها.
قد يكون طريقنا لهذا المجتمع طويلاً، ولكن الطرق الطويلة عادة توصل لما يستحق العناء.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.