المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد عز العرب Headshot

العالم vs المسلمين بدعوى محاربة الإرهاب

تم النشر: تم التحديث:

لقد أفنى مفكرون وباحثون وكُتاب أقلامهم وصفحات مؤلفاتهم في الرد، وبحجج دامغة على أن الإسلام الصحيح لا يعني إرهاباً، ورغم ذلك كله لا يتصدر المشهد العالمي الآن سوى سياسيين يحاولون بكل جهد وبكل قوة أن يحصدوا مكاسب سياسية تمكنهم من الفوز بالانتخابات على حساب النيل من الإسلام والمسلمين في العالم أجمع.

يُعتقد - وبحق - أن من ضمن الأسباب الرئيسية التي أوصلت العالم لهذه الحالة تخاذل الدول الكبرى عن دعم الديمقراطية والحريات في الدول المسلمة، فبدلاً من أن تلتزم الدول الكبرى وتتحمل مسؤوليتها تجاه العالم الإسلامي، وتتحول عن دعم الأنظمة الديكتاتورية، اختارت عدة دول - تلك التي قابلة للزيادة - أن تغير من سياستها الخارجية، وتبقى حبيسة إقليمها، بل وراحت تُصدر للعالم أفكاراً على النقيض مما استقر عليه العالم، وتمثل ذلك في محاربة أقلياتها المسلمة التي لا يختلف اثنان على كون تلك الأقليات من ضمن الأعمدة التي قامت عليها تلك الدول.

لطالما نادى الفكر المتطرف والإرهابي الدول الكبرى بشعار "دعونا لوحدنا"، ولطالما تدخلت تلك الدول في شؤون دول أخرى للحد من التطرف والإرهاب، والقدر المتيقن منه مفهوم التدخل في الشؤون الداخلية، كما يعرفه ميثاق الأمم المتحدة، نسبي ومتطور اختلف من زمان لآخر، ورغبة في حماية الحريات وحث الأنظمة السياسية على السير نحو ضمان الحقوق والحريات، التي لم تعد فكراً داخلياً بالمعنى المتعارف عليه قديماً، وإنما أصبح ذلك يهم العالم كله، فإن الأنظمة المسماة بالديمقراطية التي تضمن حريات وحقوق شعوبها تتخذ من اعتداءات الأنظمة المسماة بالديكتاتورية على الحقوق والحريات طريقاً للقول لها "كفى خرقاً للحقوق والحريات"، وكان ذلك عن طريق مواقف سياسية وعقوبات اقتصادية.

والتراجع الآن ومحاولات التضئيل من مفاهيم العولمة الآن ستؤدي لا شك، وبدلاً من أن تتحول الأنظمة السياسية الغربية لداعمة للديمقراطية والحقوق والحريات في بلادها وبقية العالم، واقتصار الإرهاب على أفراد وجماعات، إلى إهدار الحقوق والحريات في البلاد الغربية، واستنهاض مفاهيم تمارس من خلالها الدول إرهاباً، فلن يعود الإرهاب مقتصراً على أفراد وجماعات، وإنما ستكون ممارسة الإرهاب غير مقتصرة عليهم فحسب، بل تمتد لتمارسه دول.

لا يجدي نفعاً محاولات الدول الكبرى -ورغبة في حماية مصالحها- أن تنال من ثاني أكبر ديانة في العالم بأسلوب التعميم الخاطئ، وتهمل ما اتجهت إليه من ترسيخ مفاهيم حقوق الإنسان وحرياته، ومحاولة تصديرها لباقي دول العالم.

وربما أن الاتجاه العالمي الجديد نحو التضئيل من مفاهيم العولمة وسياسة الانغلاق وتراجع دور الولايات المتحدة عن تولي الزعامة الدولية، وإحلال دول أخرى محلها في هذا الدور، سيسهم دون شك في اتجاه وبشك في اتجاه آخر.

فأما الاتجاه المؤكد فيتمثل في تراجع الأنظمة الديمقراطية في تلك الدول عن المكاسب التي حققتها في ضمان الحقوق والحريات التي تُكفل لكل من يقيم على أرض دولة ما، سواء أكان وطنياً أم أجنبياً عنها، وهذا يُعد دون شك ظلاماً يحيط بتلك الدول، وأما الاتجاه المشكوك في تحققه هو تقدم الأنظمة السياسية في الدول التي أغلبيتها من المسلمين، وإذا ما طُبق شعار "دعونا وحدنا"، وتضاءلت أفكار نظريات المؤامرة وتدخلات القوى الكبرى في الشؤون الداخلية لدول، ورغبة من القوى الكبرى في حماية مصالحها الداخلية، ستتراجع عن سياسات كانت تقوم بها تجاه العالم الإسلامي،

وهذا يُعد دون شك نوراً تتربصه شعوب تلك الدول، وهذا الاتجاه مشكوك فيه لأسباب عدة، من بينها: لطالما حاول الكثيرون رغبة في ترجيح كفة معينة أن يلجأوا إلى دول كبرى عبر أساليب كثيرة من أجل ترجيح كفتهم، وهذا المفهوم، وعلى صعيد سياسي تنتهجه أنظمة حاكمة عندما تحاول أن تؤسس لمشروعيتها باعتراف الدول الكبرى بها، والسبب الثاني أن التراجع عن تولي المسؤوليات سيُعلي من شعار "دعونا وحدنا"، الذي يحاول الفكر المتطرف الترسيخ له.

وبتطبيق ذلك كله على الشهور الماضية، فمن جهة الولايات المتحدة شكلت وعود الرئيس التي تُترجم الآن بأوامر تنفيذية، تراجع لزعامة الولايات المتحدة من جهة، وحلت روسيا وتركيا محلها في النزاع السوري المتفاقم، سواء بدعم المعارضة السورية وبشار الأسد أو بالوقوف مع جانب دون الآخر، ومن جهة ثانية بتراجع مفاهيم الحقوق والحريات، فما الذي يعنيه كون الرئيس يفكر بهذا الاتجاه، ويلقى دعماً من ملايين الأميركيين وينجح في الانتخابات، ويترجم ذلك بأوامر تنفيذية، سوى أن ثمة شيئاً يحدث يختلف تماماً عما كان عليه الحال في السابق.

ومن جهة التضئيل من مفاهيم العولمة والانحباس داخل الإقليم وازدياد الدول التي تحاول تطبيق نفس المنهج واضح فيما اعتمدته "ماريان لوبان"؛ لمحاولة الفوز بالرئاسة الفرنسية والسير على خطى ترامب، ومن قبلها زيارة رئيسة الوزراء البريطانية للبيت الأبيض، التي حملت في طياتها عدم معارضتها لما يحدث في العالم من وعود ووعيد، للنيل - بقصد أو بغير قصد - من المسلمين، والتذرع بالإرهاب والتطرف.

وفي النهاية نعتقد أن ما يحدث الآن لن يُسهم في محاربة الفكر المتطرف والإرهاب بقدر ما يُسهم في تراجع الحقوق والحريات في الدول الكبرى، وانتهاج سياسة حماية المصالح الداخلية، دونما اعتبار للمصالح الخارجية، سيؤدي في النهاية إلى ذلك التراجع من ناحية، ومن ناحية أخرى إضعاف المفاهيم التي ترسخت لتلك الحماية، بما يؤسس لاتجاه جديد في تعامل العالم مع بعضه، فهناك شعرة ما بين الإرهاب والتطرف الفكري وحقوق الشعوب في منع التدخل في شؤونها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.