المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد الطوخي Headshot

نَتقابل في البيوت الفَرِحة

تم النشر: تم التحديث:

البيوت الفَرِحة "هي الترجمة الأكثر قرباً للكلمة التركية" شرين إيفلر.
شرين إيفلر هي منطقة قُرب مطار أتاتورك في مدينة أسطنبول التركية.. الوصول إليها بكل الطرق الممكنة بسيط للغاية.
فكل وسائل المواصلات تَصب في شرين إيلفر "المتروبوص - المترو - الباصات الحكومية والخاصة".
شرين إيفلر مرتع للمصريين القاطنين في أسطنبول التركية، يقصدها القاصي والداني.

إن كان هناك موعد مع أحد المصريين تُطالعك هذه الكلمة "بعد الشغل في شرين إيفلر - نتقابل في شرين إيفلر - على قهوة شرين إيفلر - هنسهر مع الرجالة في شرين إيفلر".

في حال وقوفك على السُّلم العلوي للميدان تلقي نظرة على الجميع من أعلى وسط الزحام، وربما رُكام الناس المتعاقبين خلف بعضهم البعض، قد تستحضر ميدان العتبة أو رمسيس في قاهرة المُعز والشعب بتلك المدعوة "مصر" صنيعة الحلواني.

سيارات الطعام السريعة والشوارما التركية يتصاعد منها الدخان وسيارات وجبة الأرز والفراخ الشهيرة غارق زجاجها الداخلي في البخار المتصاعد منها، لكنه لا يكفي لكتابة قصة مغترب واقف أمامها ينتظر دوره في وجبة الطعام.. ربما يكفي لِسُبة تُلخص مأساته أو رسم قلب غاضب، ناقم، عنيد أو لا شيء على الإطلاق.

حلقات من الجنسيات المختلفة تحيط سيارات الطعام تَنكب على "الطُّرشي" والساندوتشات.
فيما تَمر بجانب تِلك الضوضاء في الميدان كُل لديه صمته الذي يعبئه وسط هذه الضوضاء.

ثَمة مصري يَرُجّ علبة من اللبن "عيران" لتُصاحب تِلك اللقمة المُتحَسرة من هذا الرغيف في هذا الميدان من تِلك المدينة في هذه الدولة إلى داخله الذي يئن بالغربة وسط كل هذه الضوضاء.

إن مَررت غداً وبعد غد وبعد بعد غد ستشاهد نفس الشخص ربما في نفس المكان يَرُجّ يومياً في مأساة علبة "عيران " مشابهة تتخلص في لا مبالاته أثناء عملية الرَّج تِلك أو انشغال فِكره بشيء في الوطن المقابل داخله.

في شرين إيفلر باستطعاتك أن تمشي ويتنامى إلى أذنيك سباب مصري خالص النكهة "السيسي ابن... - أصلك عَيل... - الجامعة بنت..." تُتبع أنت هذا الذي تنامى لأذنيك بـ"سلام عليكم يا رجالة"، ويرد عليك أحدهم بلا اهتمام: "وعليكم السلام يا أسطى"..
مسجد الميدان في شرين إيفلر والمساجد المجاورة في شوارعه الجانبية تِلك التي تشاهد فيها كُل صلاة جمعة من كل أسبوع أصحاب "العبايات" البيضاء والشباشب التي تَزحف وتحتك بالأرض مُصدرة هذا الصوت الذي يعود بك إلى قريتك وإلى أصدقائك الكُسالى بعد صلاة الجمعة.

صلاة الجمعة تحتوي تجمع المصريين المشهود في الميدان وإفطار مجموعة منهم في أحد مطاعم "البوريك" والأحاديث المتواترة عن الحياة والعمل وسيَر الراحلين والمعتقلين ومصر.

الشارع الثالث يميناً في شرين إيفلر به أحد أشهر القهاوي التركية التي يرابط فيها المصريون خاصةَ وُعين لها عُمدة شرفي، صديق قديم هو "عَم حودة" تطالعه ضحكة رِعديدة على وجهه الآن وهو يقرأ هذه التدوينة أعلم هذا تماماً.

قهوة شرين إيفلر تُدار منها المراهنات على الأوضاع السياسية في الوطن الموازي وكذا الرياضية، وطَرف القهوة مُخصص بمقاعده الصغيرة التي تكاد تلامس الأرض للحديث عن المشاكل العاطفيه بين صديقين بائسين ربما لن يحالفهم الحظ في إنهاء تِلك التعقيدات المرتبطة بالمشاعر، لا سيما إن كانت مرتبطة بحب بقي نصفه في الوطن.

من وجهة نظري "لن يتم يا أصدقاء" لديَّ تجربة سيئة مع تِلك الزاوية من هذه القهوة وهذا النوع من المشاعر.

شرين إيفلر هي الوطن في الغربة، التي أُصِر أنا على عدم تسميتها غُربه بل هي مَنفى.. فالمغترب له حُرية العودة لوطنه وقتما شاء، وقاطنو شرين إيفلر صنعوا وطناً موازياً حتى لا يذوب وطنهم الأم في داخلهم إلى الأبد من كَثرة الغضب والحسرة شوقاً لذويهم ومفقوديهم فهم ليس لديهم حرية العَودة لقراهم وأحيائهم وقتما شاءوا، لا يملكون رفاهية العودة لرائحة أمهاتهم وقت تَكورهم وانسحابهم من الحياة حزناً ولا لرائحة طعام أمهاتهم أيضاً بعد صلاة الجمعة.

لم يعد يملك أكثرهم الحق في أن يَترك نفسه اطمئناناً عِند أحدهم كأمانة.

الجميع هنا يتحمل مسؤولية نفسه، حماقاته، أخطائه.. ولا وقت للحنين، الحنين هنا عديم التعاطف.

الحنين فقط تجده في تِلك السابقات من اللقاءات العفوية أو المرتبة أو المشاهدات في شرين إيفلر مساء.

متتاليات من الشباب المطاردين والمعتقلين سابقاً والمُدانين بقضايا سياسية حتى إن عابري الحدود نالهم من "حُب" شرين إيفلر جانبٌ.

الجميع مَر من هنا.. ترك حنينه مع أصدقاء المنفى وذهب، ومنهم من بقي يمارس متتاليات لقاءاته في منفاه ووطنه المصطنع بشرين إيفلر كل مساء.

اتركوا حنينكم في ذروة آمالكم بداخلكم، لا تجاهروا بالحنين، فالمجاهرة بالحنين قاسية حد كل العذابات المُمكنة.

وضَمدوا جِراحكم بالوَصل في شرين إيفلر.. عسى أمل يأتي بكم إلى أوطناكم صباحاً ما، واعلموا كما قال أحد الحكماء أن فقدان الأمل إنكار لله.

هذه حكاية ميدان غارق بعادات وتقاليد وكلمات مصرية خالصة في القلب من مدينة إسطنبول التركية، والشواهد والقصص عن العرب في تركيا وعلاقتهم بالمجتمع التركي تطول سرداً بما تتخللها من عجائب.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.