المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد السيد الكيال Headshot

عزيزي 25 يناير

تم النشر: تم التحديث:

عزيزي 25 يناير.. تحية طيبة، وبعد:
أرجو أن تسامحني على التأخير، فقد فضلت أن أنتظر مرور ذكراك أولاً؛ لأني قد مللت الحديث بصوت عالٍ، لم أعُد ذاك الشخص مرتفع الصوت، صاحب القدرة الفذة على الجدال والنقاش، وفي حقيقة الأمر كنت هذا العام كعادتك منذ 6 سنوات، يوماً مزعجاً ومربكاً تماماً بالنسبة لي.

أرجوك لا تغضب مني يا عزيزي، لست أنت المسؤول عن ذلك، أنت تعلم جيداً مقدار حبي الشديد لك، سأذكرك كما أفعل دوماً سبب محبتي، أيها اليوم المجيد في ذكراك انتهت الدولة الأموية بظلمها عام 750م، واستبسل رجال الشرطة ورفضوا تسليم أسلحتهم للإنكليز في الإسماعيلية، وقاتلوا المحتل حتى آخر قطرة دم 1952م، وفيك أيضاً انطلقت الاحتجاجات الشعبية عام 2011، التي شهدت أول صرخة اعتراض حقيقية للشعب المصري منذ 1977، وتيمنوا بك فسمّوها ثورة 25 يناير.

وفيك وُلد الرائع يوسف شاهين 1926، ومات القدير عبد الوارث عسر 1982، وأبو الصناعة عزيز صدقي 2008، ولم تفوت الفرصة هذا العام كي تحتفظ أيضاً بشرف وفاة العظيم سيد حجاب أكثر من استطاع صياغة مشاعرنا المرتبكة في الأغاني التي كتبها.

اخترت أن أتحدث إليك بعيداً عن الضوضاء، وأقول لك إنك بصراحة شديدة، إنك أكثر يوم قد أثرت على حياتي، بالسلب والإيجاب، خصوصاً في زيارتك الفريدة في عام 2011، كنت سبباً في أن أترك ورائي مجالاً عملت به لأكثر من 9 أعوام، رغم أني كنت محاسباً ماهراً، ولكني قلت لنفسي وقتها: ألم يأن للذين حلموا أن يحققوا أحلامهم؟!

فانطلقت أستشهد بك بداخلي دون أن أصرح، بكل قرار وتصرف مجنون أو أحمق في نظر الجميع، مثالي وأخلاقي وسليم في نظري، أو بالأحرى في نظر أحلامي وطموحاتي.

أحياناً وعندما أختلي بنفسي أقول: "سامحك الله يا أيها اليوم"، فقد كنت قبلك لا أبالي، صدقني يا عزيزي فغياب الألم مرتبط بشكل وثيق باللامبالاة، وأحياناً أخرى أقول: "وما كنت لأكون ما أنا عليه إلا بما نزفته من الألم"، بالتأكيد لن يستوي مَن يعلم ومَن لا يعلم، مَن يعلم يجب أن يدفع الثمن.

يا عزيزي.. بفضلك امتلكت القدرة على أن أجاهر بما كنت أخشى أن يظنني الناس مجنوناً إن أقدمت عليه، كتبت وعبرت عما بداخلي، تحركت وتركت المضمون وخاطرت، تغيرت طريقة تفكيري، تحققت أشياء لم أكن أحلم بأن تتحقق، ونبتت أحلام جديدة أكبر وأكثر عمقاً، وخسرت كثيراً، ولكني أدركت أني خسرت ما كان يجب أن أخسره لو كنت أكثر شجاعة فيما مضى.

لكن يا عزيزي.. أود أن أطلعك على شيء أخير في غاية الأهمية، دعنا نتفق على أنني راضٍ عن تجربتي الشخصية، متقبل الخسائر الضخمة والسقطات الكبيرة، وسعيد بأحلامي التي تحققت، وإن صارت أشياء بسيطة، مقارنةً بما أحلم به الآن.. ولكن هناك شيء واحد يؤرقني تماماً إنه الوطن، لماذا أظلمت القاهرة بهذا الشكل؟! لم تكن كذلك أبداً، كانت باهية، ساحرة وساهرة، كانت تستقبلني بعناق طويل وابتسامة، ثم تلقيني في قلبها الدافئ، أستمتع وأشعر بالأمان، كانت حنونة، فلماذا أصبحت بكل هذه القسوة؟! هل هي غاضبة منّي؟! أنا لم أقصد أن أسبب لها الضرر.

قبل أن تأتي يا عزيزي في عام 2011، كنت قد بدأت التفكير فعلياً في السفر للخارج، وكنت أملك الكثير من الفرص حينها، ولكن نزلت للميدان رغبة في الانتقال لها، والعيش فيها هي دون غيرها، لم أقصد أي شيء آخر، وصدقني طوال تلك السنوات، ما زلت متمسكاً بها، أحياناً يعتصرني الألم، فينال منِّي الإحباط، فأقرر الرحيل فلا أستطيع.

يا عزيزي.. أتمنى أن تساعدني، أخبرها بالنيابة عني، أنا أحبها وأريدها، أستطيع أن أستغني بها عن البشر، إنه التفسير المنطقي للحلم الذي أراه دائماً، عندما أراني أسكن شقة صغيرة في وسطها وحيداً مستمتعاً.. قل لها أن تسامحني، فأنا لم أقدم على ما أقدمت عليه إلا من أجلها.
وفي النهاية بلّغها منِّي السلام، واطلب منها أن تطمئن، فأنا عائد إليها؛ لأني لا أحتمل مزيداً من الغياب.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.