المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد السيد الكيال Headshot

رسالة من تيران وصنافير

تم النشر: تم التحديث:

تلك الرسالة بالتأكيد من وحي خيالي، لكني متأكد أنها تمت إلى الواقع بكل صلة؛ مشاعر شاب ضحى بحياته في حرب الاستنزاف، استُشهد في سبيل سيادة هذا الوطن، في حرب كان سببها الرئيسي مضيق جزيرتي تيران وصنافير المصرية!

"بسم الله الرحمن الرحيم
زوجتي العزيزة الغالية
تحية طيبة عطرة برائحة تراب أرض الوطن الطاهرة...

أعلم أن هذا الخطاب عندما ستقرأينه سأكون بالفعل قد صعدت روحي بجوار بارئها، ربما بمقاييس الدنيا سأكون ميتاً، لكني كما وعد الله سأظل حياً أُرزق، بطلاً لوطني، فخراً لأهلي وابنتي، وربما سيطلقون اسمي على مدرسة أو شارع في مسقط رأسي. هل رأيتِ -يا عزيزتي- كل ما قد أنعم الله به عليَّ في الدنيا؟ فما بالك بنعمه عليَّ في الدار الآخرة!

لا تحزني يا حبيبتي، أعلم أن الفراق صعب، وأعلم أن القدر لم يمهلنا سوى سنتين فقط، كنتِ فيهما زوجتي وعشيقتي وصديقتي. ويعلم الله وحده كيف كنت أفتقدك وأنا على جبهة القتال، وكيف كنت أمنح صورتك التي أحفظها بجوار قلبي قُبلة، فتمنحيني روح القوة والجسارة والنضال، كنتُ هنا من أجل الوطن ومن أجل الشعب ومن أجلك، من أجل مستقبل ابنتنا كنت هنا.

أتوسل إليكِ ألا تحزني، أعلم أنك لن تستطيعي، حسناً على الأقل تماسكي. لقد كان الجميع هنا يقسم بشجاعتي في القتال، كانوا لا يعلمون بالطبع أني أستمد تلك الشجاعة منك يا حبيبتي، عندما أُغمض عينيَّ، وأرى على شفتاكِ الجملتين وأنت تقولين "وحشتني" و"بحبك"، أو عندما أرى تلك النظرة المودّعة لي عند كل عودة للجبهة، وأنت تقولين "مستنياك"، تعقبها ابتسامتك الملائكية، وتلك النظرة الحنون الدافئة، ولا أدري لماذا تغيرت تلك النظرة في آخر مرة! ربما سأفهم لماذا تغيرت بعد بضع ساعات من الآن.

أنا لا أعلم كيف ستكون لحظاتي الأخيرة قبل أن أفارق تلك الحياة، ولكني -وقبل أن أمسك بقلمي، وأبدأ في كتابة تلك الكلمات، التي ستكون الأخيرة لي- كنت مستلقياً على سريري، أستريح قليلاً قبل العملية، أغمضت عينيَّ فحلمت بك، وكانت فريدة معك، ودّعتماني ورحلتما.

عزيزتي، سأظل دوماً بقربكم، سأشاركم أفراحكم، وأواسيكم في الأحزان لا قدر الله، ستشعرين بي، حدّثني كلما أردت، ولكن امضي في حياتك، سيأتي النصر قريباً، أنا أثق برفاقي هنا، لن يعودوا قبل النصر أو الشهادة؛ لقد عاهدنا الله على ذلك، سنجلب لكم المستقبل، ونمحي آثار العدوان، ونعيد الأرض، ونرفع هامات الكرامة.

حبيبتي، أنا أثق بكِ، وأؤمن بكِ، ولكن هناك أشياء مهمة يجب أن أذكركِ بها، بخصوص ابنتنا "فريدة"، أتمنى ألا تشعر بأن شيئاً ينقصها، أنا أعلم جيداً قسوة أن تشعر البنت بأن لا أب لها. عزيزتي رغم ثقل المهمة، فإني أثق تماماً بما ستربين ابنتنا عليه.

ولكن، أرجوكِ ألا تُجبركِ ظروف الحياة أو صعوبة المهمة على ألا تربي ابنتنا على عشق الوطن مهما كانت الأحوال والظروف. علِّميها أن تحب الفن والجمال، خُذيها إلى السينما والمسرح كما كنا نذهب معاً، شجعيها على شراء الكتب، اسمحي لها بأن تمارس الرياضة، ازرعي فيها روح القيادة، علميها الخطابة وإلقاء الشعر.

خذيها إلى كل الأماكن التي ذهبنا لها معاً أنا وأنتِ، وإلى كل الأماكن التي كنت سآخذها إليها، اذهبا إلى "الحسين" و"جنينة الأسماك "، اسهرا في (وسط البلد)، اقضيا يوماً على ظهر مركب في النيل، انزلا بالغرفة نفسها التي كنا ننزل فيها في الفندق نفسه بمحطة الرمل، ولا تنسي، يجب أن تأخذيها إلى مسقط رأسي، مرة على الأقل كل عام، تتعرف على عائلتها وترى أين كان يعيش والدها.

أما الشيء الأهم يا عزيزتي، لا تجبريها على شيء، امنحيها حرية الاختيار، خصوصاً لو كان شيئاً يتعلق بمستقبلها، إذا أشركتِها منذ صغرها في حديثك ومشاكلك وخططك، فثقي تماماً بأنها ستستطيع أن تختار لنفسها الأفضل، سأغضب بشدةٍ إذا أجبرتِها على شيء يخص مستقبلها؛ لأني لو كانت كُتبت لي الحياة، ما كنت لأحرمها من أن تختار كيف ستعيش.

عزيزتي.. انتهى الوقت، يجب أن أذهب الآن لمهمتي الفدائية، التي يبدو أنني قد استُشهدت بها، ما دمت تقرأين تلك الكلمات الآن، ستجدين مع خطابي هذا خطاباً آخر لابنتي "فريدة"، أرجو أن تسلميه لها، لتقرأه عندما تبلغ السابعة عشرة من عمرها.

حبيبتي.. يا أجمل امرأة رأتها عيناي، أعشق كل ما فيك، يا أطهر وأنبل قلب عرفته، يا أروع عيون نظرت لي، منك سمعت أعذب الكلمات، يا أرق إنسانة في الوجود أحبك بكل ما فيَّ وكل ما لي وإلى الأبد.
إلى اللقاء بعد عمر طويل...".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.