المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد المصري Headshot

حالة الضعف العربي.. ووهم المؤامرة

تم النشر: تم التحديث:

"في تاريخ كل أمة تمر لحظة معينة فإذا بها تصاب بنوع من الغشاوة الحقيقية، تضطرب مفاهيمها، ويصيب مدركاتها عدم الوضوح، ويسيطر على عقلها عدم الصلاحية، أما قياداتها بجميع مستوياتها فهي مهلهلة، لا تدري أين الطريق الصحيح؛ قيادات سياسية فقدت الوعي، وقيادات عسكرية يصيبها الترهل، أما عن القيادات الثقافية، فهي لم تعد سوى أبواق تهلل وترقص وتطبل".

تلك الكلمات الرائعة هي جزء من مقالة للنابغة، الأستاذ الدكتور حامد ربيع -رحمه الله- بعنوان "مصر والحرب والقادمة"، تلك الكلمات الموجزة تعكس الواقع الذي نعيشه الآن في عالمنا العربي.

أولاً بالنسبة للقيادات السياسية: الصفة الأولى التي يجب أن يتمتع بها أي شخص في منصب سياسي هي الوعي.

لو نظرنا للواقع العربي نظرة معمقة خالية من الأهواء الحزبية، لرأينا أن فقدان الوعي السياسي أصبح السمة المميزة للساسة العرب في مواقع الحكم ومواقع المعارضة أيضاً.

مشاهد فقدان الوعي السياسي تبدو واضحة في عدة مواقف:

حالة البعد أو قل التخلي عن القضية المركزية للعرب "قضية فلسطين"، الخطاب السياسي لمعظم القادة العرب أصبح قريباً إلى الخطاب السياسي لقادة الاتحاد الأوروبي، إن لم يكن الخطاب الأوروبي أكثر انحيازاً إلى القضية الفلسطينية، ومحاولة بعض القادة العرب التفريط في القضية الفلسطينية وتبني مبادرات تفرط في الحقوق الفلسطينية وتخدم الكيان الصهيوني وتمنحه صكوك الدول الراعية للسلام.

التحالف مع القوي الأجنبية لحل المشاكل العربية الداخلية بدلا من أن تكون الجامعة العربية مكانا لحل الخلافات وتسوية النزاعات العربية.

محاولة بعض القادة العرب توظيف المشاكل الداخلية مع المعارضة في بلاده لفرض حصار على حركات المقاومة في فلسطين وتبني سياسات شبه عدائية ضد حركات المقاومة وتبني الخلط بينها وبين الحركات الإرهابية.

حالة الضعف التي تعاني منها الجامعة العربية وعدم وجود أي فعالية لوظائفها التي من المفترض أن تؤديها.

هناك حالة من الثقة المفرطة من قبل السياسين في أحزاب المعارضة تجاه دول معينة نظرا لتشابه الأيدلوجيات بينها وبين تلك الدول.
لقد حاول القادة العرب أن يتجاهلوا تلك الوقائع وكانت القمة العربية في نواكشوط والتي أطلقوا عليها "قمة الأمل" ولكن الواقع لا يستطيع أن يكذب فلقد كانت "قمة الإحباط العربي" في تلك القمة بدا واضحاً أمام الجميع حالة التشتت والضعف التي يعاني منها العرب، وأصبح واضحاً عدم قدرة دول الجامعة على المبادرة وحل مشاكل المنطقة ومحاولة بعض الدول التهرب من المسؤوليات والأدوار التي فرضت عليها بحكم التاريخ والموقع.

أما بالنسبة للقيادات العسكرية: الصفة الأولى التي يجب أن يتمتع بها أي شخص في موقع القيادة العسكرية هي الحيوية والنشاط، أما الآن فنجد جيوش المنطقة بعيدة كل البعد عن تلك الصفة.

فالجيوش أصبحت منصبة بشكل كبير في الشئون الداخلية لدولها وأصبحت شريكة في الصراعات الحزبية أحياناً، وأيضاً يتم توريطها بشكل أو بآخر في حروب استنزاف مع حركات إرهابية، وللأسف وصل الأمر بجيش يفترض أن يكون هو أكبر جيوش المنطقة، والذي من المفترض أن يكون حائط الصد عن المنطقة أن يتفاخر باستيراد أحد القطع الحربية ويخصص لذلك احتفالية كبرى! بدلا من أن يكون ذلك دليلا على أن التصنيع العسكري المحلي في خطر، وأنه قد آن الأوان لتدعيم الصناعات العسكرية المحلية والبدء في تطوير قدراتنا العسكرية بدلا من الاتكال على دول معينة في استيراد أسلحتنا.

أما بالنسبة للقيادات الثقافية: فعندما نقول إن الثقافة العربية في خطر فهذا كلام هين للغاية، فوضع الثقافة في وطننا العربي وصل إلى حالة يرثي لها، لقد فسدت القيم الثقافة العربية للأسف بيد أبناء العروبة أكثر من أعدائها.

لا بد من إعادة بناء الهوية الثقافية للمواطن العربي وتوفير كل الوسائل المتاحة لتحقيق ذلك.

تلك العوامل التي ذكرناها من غياب الوعي السياسي وترهل القيادات العسكرية، والقيادات الثقافية التي تحولت إلى أبواق تهلل وتطبل هي العامل الرئيسي في ضعفنا.

تلك هي المؤامرة الحقيقية التي يجب أن نواجهها بكل ما نملك من علم وعزيمة.

حان وقت المصارحة والمواجهة يا أبناء العروبة: تلك الظواهر السيئة التي نراها الآن جلية في أوطاننا تكمن أسبابها في داخلنا، لا بد أن نبدأ بعلاج الأسباب وليس بمعالجة النتائج.

كفانا اتكال على نظرية المؤامرة وأن الجميع يتآمر علينا.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.