المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد البحراوي Headshot

كوبري البدرشين يعكس فشل الدولة

تم النشر: تم التحديث:

الأسبوع الماضي توجهت إلى منزل عمي في مركز البدرشين بمحافظة الجيزة, ومركز البدرشين هو مركز في ضواحي محافظة الجيزة المترامية أطرافها, هو مركز فقير يفتقد الحد الأدنى من أساسيات المعيشة كمياه الشرب أو شبكة صرف صحي صالحة أو حتى طرق مؤهلة للسير عليها, هذا المركز به مزلقان تابع للسكة الحديد، وهذا المزلقان الملقب "بمزلقان الموت" غير مجهز على الإطلاق بالحد الأدنى من إجراءات السلامة، ومشهور بكثرة الحوادث عليه، آخرها اصطدام القطار المتجه إلى خط الصعيد بأتوبيس يحمل ركاباً، وأيضاً الحادثة المشهورة بحادثة "قطر البدرشين" المحمّل بالمجندين صغار السن العائدين من أماكن خدماتهم العسكرية متجهين إلى قراهم في الصعيد.

تتكرر الحوادث في "مزلقان الموت" ما وضع الدولة في حرج عن كيفية حل أزمة مزلقان يموت على قضبانه البشر يومياً تقريباً منذ عقد أو أكثر! فكان الحل الجهنمي من الجهابذة أصحاب القرار والمسؤولية في إنهاء تلك الأزمة ليس سلماً للمشاة يعبر عليه المارة، أو حتى "لا سمح الله" تجهيز المزلقان حتى لا يعبر عليه المارة أثناء مرور القطار, لكن كان الحل هو توكيل القوات المسلحة ببناء كوبري للسيارات يوصل بين الجهة الشرقية بالجهة الغربية، وقفل المزلقان تماماً, هذا الكوبري يقطع شارع المزلقان وهو الشارع الحيوي والتجاري الوحيد في مركز البدرشين بأكمله!

هذا الكوبري قلب حال سكان المركز رأساً على عقب، أصبح الزحام داخل شوارعهم الضيقة الخانقة، ما يعرض الأطفال والمارة للخطر، كما أمات الشارع التجاري والحيوي الوحيد بالمركز، ما أدى الى "خراب بيوت" الكثير من التجار, والأعجب من كل هذا هو أن الزحام والتكدس والموت أيضاً انتقل أوتوماتيكياً من المزلقان المذكور للمزلقان الذي يسبقه مباشرة، "وكأنك يا أبوزيد ما غزيت" فهذا المزلقان - الآخر- أيضاً غير مجهز ويموت على قضبانه الكثير من المارة يومياً!

مأساة مصغرة تبين العقلية وطريقة التفكير التي تدار بها البلاد, عشوائية في اتخاذ القرارات تصبح من خلالها الحلول سبباً في خلق مشكلات جديدة، يقتل من خلالها المواطنون من جديد "معنوياً" بإفساد الشارع الحيوي الوحيد الموجود في المركز فتتحول حياة المواطنين إلى جحيم حقيقي ولا داعي لتذكيركم أن الموت -المادي- لا يزال مستمراً!

هذه المأساة توضح بشكل فج وواضح حجم الاختلاف بين طريقة تفكير الدولة الحاكمة الغاصة في الفساد، وبين الثورة وأفكارها وطرق حلولها للمشاكل. يكمن أول اختلاف في شكل اتخاذ القرار, فأصحاب القرار والمسؤولية في بلادنا يتخذون قراراتهم التي تؤثر على حياة المواطنين بالضرورة، ثم ينفذونها غير عابئين برأي أو مشورة الجمهور - أصحاب المصلحة من القرار- وتبعات هذا القرار على حياتهم، وكأنه "أمر دُبّر بليل"، ضاربين عرض الحائط بأبسط معاني وطرق الديمقراطية التي نادت بها حناجر الملايين في الميادين على مدار أربع سنوات عُجاف!

ولا تعدم عند هذا الحد الاختلافات، فهناك اختلاف آخر أكثر انحطاطاً مما سبق وهو سبل وأولويات الإنفاق، فمركز البدرشين الذي تنقطع فيه المياه 20 ساعة يومياً ويقف المواطنين طوابير في مشهد بدائي يرجع أصوله إلى عهد المماليك لكي يتحصلوا على المياه الصالحة للاستخدام المعيشي.

كما لا يوجد شبكة صرف صحي صالحة كما ذكرت، ولا طرق ممهدة، كما أن مركز البدرشين لا يوجد به مستشفى عام واحد، فأقرب مستشفى عام تبعد حوالي خمسة وأربعين دقيقة عنه، يُبنى عنده كوبري لا يغني ولا يسمن من جوع بملايين الجنيهات، على حسب رواية أهل المركز تكلفته تتعدي المائة مليون جنيه! وهكذا تتوالى الاختلافات وتتعدد بين فكر الدولة الفاشلة التي تتخذ العشوائية والفهلوة منهجاً وطريقاً، وبين أفكار الثورة ومشروعها المرتبط ارتباطاً عضوياً بالجمهور واحتياجاته الرئيسية, فطوبى للثائرين القابضين على ثورتهم ومطالبها ومنهجها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.