المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد عبدالكريم البعداني Headshot

بين ربيع القلوب وخريف العقول

تم النشر: تم التحديث:

الإنسان عادةً ما يكون نتاج أفكاره، والأفكار هي تلك المياه الراكدة التي تَحتاج لِمن يُحركها حَتى لا تَفقد عُذوبتها، بها تُروى العُقول، وتَطيب القَلوب، وبِها تَتحَرر الأنفس من قيود التقوقع من ماضٍ سَحيق، وتَطمئن النَفس لِوجود ما يُحفزها للبقاء على قَيد الحَياة.

فَمن يا تُرى يَتحكم بمصير أفكارنا وإخراجها إلى النور بعد أن كَانت بَذرةً سَقتها الأيام بماء المَعرفة؟ فَتح تَحقيق لبَحث مَن هو الجَاني ومن هو المَجني عليه بَينهما ضَرورة تؤرق مَضجعي، كون كِليهما يَتحكم في قراراتنا ونتائج هذه القرارات تُغير مصائر غاياتنا على وجه البسيطة.

هل هو رَبيع قَلبٍ يَرى الخيال واقِعاً مُعاشاً في قَصرٍ دُرّي مُحاط بمدينة فاضلة، كما وصفه أفلاطون قَبل آلاف السنين، أم هو خَريفُ عَقلٍ حَفرت عليه التَجارب مَخطوطة هيولانية فاق جَمالها كُل جَميل، كما وصفها الفارابي في تَغيير مَفاهيم المدينةِ الفاضلة؟

خِلاف الإخوة الأشِقاء مُستمر مُنذ الأزل، وصِراعهم المستمر سَببٌ رئيسي في أمراض عضوية، كانسداد شَرايين العضو الكامن خَلف حجابنا الحاجز، وأمراض نفسيةٍ أشَدُ خطراً كانسداد شَرايين التفكير السليم، بَل يَكاد يتفوق على أخطر أمراض العَصر شَراسةً، فبصراعهم تُرهَقُ النَفس حين يقبل القَلبُ ويَرفضُ العَقلُ وتَحتار أنت!

مشكلاتنا تَكمن -فيما أظن على الأقل- في مَوروث تَغليبنا لِربيع القَلوب الظاهري، فمُغريات العَيش في رَغد بساتينه الخَضراء لا تُقاوم، مُتجاهلين مآلات القَرار، غَير مُباهين لخَريف عُقولٍ ظاهري يَحمل في قُشوره شَظِف عَيش مَرير وفي باطِنه سعادة أبعد في المَدى وأعمق في التأثير لا تُرى إلا لكل مُتَبصر حَذق.

نتألم من أفعال قُلوبنا، ولا نَتعلم من غِياب عقولِنا.. تَنوه الغَرب من خَطر تَفعيل قَنابل القُلوب الموقوتة التي دَفعوا ثَمنها حُروباً ادعوا أنها باسم (الرب) ودفاعاً عن قُديستة، وها هم -وبعد السنين العِجاف- يَجنون ثَمار تَخليهم عن تَحكيم عَضلةٍ ليس مِن مهامها إصدار القَرارات؛ بل إن عَبقرية أفلاطون في صياغته لِدستور مدينته الفاضلة تمنى أن يَحكم العالم فَلاسفة يُحكِّمونَ عقولهم وذلك إيماناً منه بأنهم لِحكمَتِهم سَيجعلون كُل شيء في هذه المدينة معيارياً!

بل إننا تجاوزنا واحدةً من أهم نظريات العَصر المُسماة بنظرية التعلم الاجتماعي - Social Learning Theory - التي تُفيد بأن البَشر يَتعلمون جرّاء مُلاحظتهم للمُجتمع، وتزداد احتمالية تقليدهم لِغيرهم عندما يَرون نتائج إيجابية نتيجة هذا السلوك تدفعهم للتقليد ولِتبني لهذا السلوك، فرغم أننا عَايشنا (يَقيناً) نتائج أفعال القُلوب وتَدميرها لمحصلات تَجارب البَشر، فإننا لم نَستحضر هذه التَجارب عِند اتخاذنا لمعظم قَراراتنا وبالذات المِفصليةِ منها ويبدو أننا على العَهدِ مع قُلوبنا بَاقين!

ألم نَرَ ما فَعلت فَعائلُ القَلب بِمجنون لَيلى وبِعَنترة وكذا ما فعلتهُ هذه العَضلةُ بِمن لَحِقهم؟

أليس ذِكر استالين في حربه مع هِتلر -الذي غَيب عَقله عِند الزحف على برلين في معركة ستالينغراد - وفاءً للعهدِ مع لينين مُغيباً عقله، تَاركاً خلفه جُثث أكثر من 200 ألف ألماني في مُغامرة انتصر فيها القَلب وخسرت الإنسانية جمعاء - كافياً للحكم على رَبيع قَلبه المُنتصر زيفاً بالمؤبد؟

وعلى النَقيض، سَمعنا عن عباقرة العلم الذين شَغلوا منارات عقولهم لصالح الإنسانية، باحثين عن عِلم لا نهائي، متجاهلين إرهاصات القلوب التي تدفعهم لليأس في سَعيهم لنَيل المَجد بقيادة حَكيم الأعضاء البَشرية والمسمى العَقل، ولنا في توماس أديسون عِبرة؛ حيث أمضى رَيعان العُمر باحثاً عن طَريقة لإنارة العالم حتى قِيل إنه تجاوز الـ1000 مُحاولة ونَجح في آخرها، وكذا نيوتن والبحث المضني لحل شَفرات النظرية النسبية وغَيرهم ممن نَفعوا وانتفعوا بعقولهم.

قال عز من قائل في كِتابه الكَريم: "فإنها لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ" ونرى الأثر على هيئة نتائج الاتكال على هذه العَضلة التي من المُفترض أن تَقوم بِضخ الدم، وهذا ما خُلقت له ولكن هل تعمى العُقول؟ سؤال يُطرح إجابته موجودة سلفاً، وقد أبدع محمد بن عبد الله الأندلسي الشنتريني يوماً حين قال: لَيس الأصم ولا الأعمى سِوى رجلٌ لم يهده الهاديان: العينُ والأثرُ.

المؤمن الفَطن يُدرك أنه ليس هناك تناقض بين القَلب والعَقل -رُغم الصراع- فالأصل هو أن العَقلَ من يَتولى قيادة النَفس إلى صراطها المُستقيم، ولا مانع من استشارةِ القَلب بين فَينةٍ وأخرى، وقد يُعاتبك قَلبك يوماً ما لهَجرك إياه، ولَكنه سيأتي يومٌ آخرٌ يَعذرك فيه لا مَحالة، وخاصهً عِندما يَرى الخَريف أزهر نُضجاً وقِطافه أثمرَت سعادة أبدية، لن أستفيض في التَفاصيل؛ حيث يَكمُن الشيطان في صِراعهما الأبدي اللامُتناهي، والذي يُفترض أن يتضاءل بِعوامل تَعرية الزمن.

سَتستمر الحَياة وسَيستمر العَقل والقَلب يُقاتل كِلاهما الآخر؛ ليحتل كُرسي الرئاسة على النفس، والفَطِن من حَكم نفسه لا من حُكِم بها! لم يَتفقا ولكن قد يأتي القَدر ليَفصل فيما بينهم يَوماً، وأشك أن يكون هذا اليوم قَبل رحيلنا من على سَطح البسيطة.

رُفعت الجلسة!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.