المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد عبدالكريم البعداني Headshot

السعيدة والتعساء

تم النشر: تم التحديث:

قضيت لَيلتي أبحثُ في أمهات كُتب التَاريخ مُتسائلاً عمّن كَان له الفَضل في إعطائنا الحَق الحَصري للِسعادة دون باقي الشعوب، وما سِر تَسمية اليمن بـ"السعيدة"؟ هل هي الأرض؟ أم كَان من عَليها في ذَلك العَصر هم السر في "تَصدير السعادة" إلى العالم؟

تعدد اسم اليمن في كُتب التاريخ، فقَد ذُكِرت باسم "العَربية السَعيدة" في كلاسيكيات الكُتب اليونانية، وقِيل إن الإسكندر المقدوني سماها؛ لأنه فَشل في غزوِها، وكذا سماها المؤرخ العالمي "فون هافن" في رسائله بالفرنسية، وقال عنها كوركيل هانسن: هي حقاً "أرض السعادة على وَجه الأرض"!

وقد ذُكِر اليمن في التَوراة باسم "مملكة تيمنا"، أي مملكة الجَنوب - هذا لا يَعني اعتبار التَوراة مَرجعاً، ولكن الوارد فيها يُعطينا لَمحات تَاريخية - وقِد قِيل إن اسم اليمن قَد جاءَ من "أيمن بن يَعرب بن قَحطان"، ووالده يَعرب هو أول من حَكم اليمن، وفي مَوروث اليمن القَديم قِيل إنه تم اشتِقاق الاسم من "اليمن"، أي الخَير الكَثير والبَركة اللامُتناهية، وقَيل كذلك إن اليمن سُمي بهذا الاسم؛ لأنه على يَمين الكَعبة، وبما أن العَرب يَتايمنون، فاعتبِر الَيمن فأل خَير على العَرب قاطِبهً، وتَزامناً مع ذلك كَنا نُصدر أهم المُنتجات روحانيةً ألا وهي "السعادة"، ويَكفيها وَصف القُرآن لها بَعد ذلك بالـ"طيبة"، ففي هذه الكَلمة شُمولية وإعجاز في جَمع كُل ما هو جَميل، وبِما أن القرآن مُخَلد، فالأحرى أن يَنطبق الخُلود للمَوصوف بأنها "البَلدة الطَيبة".

وعلى النَقيض في الأجيال القَليلة الماضية، بدأنا بتَصدير "التعاسة" للعالم -وما زِلنا حَديثي عَهد على ذلك- حيث بدأ ذلك عَملياً عِندما عَصفنا بِتاريخنا المَليء بالتعايش السِلمي في إطار المُجتمع الواحد وكذلك مع المحيطين بِنا -بغَض النَظر عن مُفتعل الانقسامات- فدفع الناس أرواحهم وضَحوا بغاليهم قَبل الرَخيص ثمناً لاستعادة "السَعيدة"، ولكن جَرت مؤامرات الداخل والخَارج على عَكس ما كَان يَشتهيه أجدادنا، فبدأت حروبنا التي لم تَنتهِ جيلاً بَعد جيل في شَمال اليمن وجنوبه، إلى أن وصَلنا إلى ما سُمي بـ"مُعاهدة صنعاء" في العام 1934م مع البريطانيين، تَلتها "مُعاهدة الطائف" في نفس العَام مع المملكة العَربية السعودية، التي بَنى عليها اليمنيون آمالهم لاستعادة "السعادة المسروقة".

لم يَسترجع اليمنيون أنفاسهم حَتى بدأ صِراعٌ داخلي جديد متمثل في ما سُمي بثورة الدستور 1948م، ثم قَامت حَرب خارجية فَقد الجَنوبيون على أثرها مَنفذ الوَديعة، مروراً بثورتي سبتمبر/أيلول 1962م التي استمرت آثارها لسنوات، وكذا ثورة أكتوبر/تشرين الأول 1963 التي استمرت آثارها هي الأخرى حتى خَرج آخر الجنود البريطانيين بعدها بأربع سنوات، في نوفمبر/تشرين الثاني 1967.

بدأت بعدها محاولات جِد حثيثة ومُضنية لإحياء السعادة مِن جَديد، وبعد مرور سنوات قَليلة جاء صُناع الحُروب ومُصَدرو "البؤس" ليَضربوا حلم اليمنيين من الدَاخل، فقامت حَرب الجَبهة 78-83 م، تَلتها مباشرةً الحَربُ الأهلية في اليمن الجَنوبي "سابقاً" 1986م، وهي التي أفضت إلى توقيع اتفاقية الوحدة بين شَطرَي اليمن في العام 1990 م.

رُفِع عَلم الوَحدة في الـ22 من مايو/أيار 1990، وكانت وَسائِل الإعلام العَالمية تَتَغنى بـ"السعيدة - أي اليمن"، وعَقد "الأبرياء" العَزم على استعادة الأمجاد وتَصدير السعادة للعَالم مِن جَديد، ولَكن كان "البؤس" لهم بالمِرصاد، فَبعد الوَحدة بأربع سنوات قَامت حَرب الانفصال في صيف 1994م، وانتهت بأسرع مما كَان يَتصورها البَعض، ولكن بَقيت آثارها تَعصِف بآمال السعادة التي كَان يَنتظرها الجَميع إلى اليوم.

لم يَنتهِ "بؤس" اليمنيين عِند هذا الحَد، بل تَجرع الشعب المَغلوب على أمره مَرارة الحُروب مع القَاعدة، وحروب صَعدة السِت بدءاً من 2004م وكذا قِتال بعض الميليشيات في الجَنوب في آن واحد، فكيف للشعب هذا أن يَستريح؟.. وكَيف لقلوب الطَامحينَ بالسعادة أن تَستكين والجَرح لا يَكاد يَبرأ حَتى يُطعن الوَطن بخَناجِرٍ تَقضي على أرواح السُعداء فيه، وتَخمد لَهيب الشوق لهذه السعادة المَنسية في غياهب التاريخ؟!

وجاءت آخر الضَربات وأقواها -في عَهد السعيدة الحديث- حيث تم نَزع أجهزة التَنفس المَزروعة في جَسد كُل يمني كَان يَحلم ببقَايا "سعادة"، بدءاً من 2011م وانتهاء بالأزمة الأخيرة، حيث خَرجَ الشَبابُ وهو يَحلمُ بمُستَقبل أفضل -ليس إلا- ولم يَكن يَعلم هؤلاء بما يَنتَظرهم، حيث نَجح "البؤساء" -من الداخل والخارج- في الدخول لغَرفة العِناية المُركزة التي كَانت تَرقُد فيها "السعيدة" مُنذ سنوات طِوال، وأجهزوا على ما تبقى من بَصيص أمل لها للحَياة، بعد أن أجهزوا مُسبقاً على شَعبها!

إحصائيات الأمم المُتحدة شاهدة على ما أقول، فـ21 مليون شخص -من أصل 30 مليوناً تقريباً- تَضرروا جَراء هذه الحَرب الأخيرة منهم 9.9 مليون طفل، و9.8 مليون متضرر لا تصلهم احتياجاتهم اليومية من المياه، و14.4 مليون هو عدد الأشخاص الذين يُعانون من انعدام الأمن الغِذائي، منهم 7.6 مليون يعانون من انعدام الأمن الغذائي الشديد، وبالنسبة للأطفال فآخِر الإحصائيات تُشير إلى أن هناك ما يَقرب من 1.3 مليون طفل يُعانون سوء التغذية الحاد، وبالنسبة للتعليم فهناك 3.4 مليون طِفل بلا فُرص للحصول على تَعليم (منذ مارس/آذار 2015م)، وبخصوص النازحين داخلياً فقد تجاوزوا 2 مليون مواطن، هذا غير عددٍ غَير معلوم مِن القَتلى والجَرحى قَدرتهم الأمم المُتحدة بـ"الآلاف"!

فماذا سَنقول لِأبنائنا وأحفادنا؟ وماذا سَيَقولون عَنا للأجيال من بَعدهم؟ هل سَيلوموننا بأننا مَن أضاع لقب "السعيدة" كما جَاءَ الدّور على آبائنا وأجدادنا؟ أم أن الأمر ما زال بِيد الحُكماء مِنا ليُغيروا مجرى التَاريخ ويُعيدوا لنا لَقباً اشتقنا إليه مُنذ أجيال؟ سؤال أتركه للتَاريخ لِيَحكم بَين بؤساءِ اليمن فَوقها، ومن تَبقى من سُعدائها تَحت سَطح الأرض.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.