المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد الانصاري  Headshot

الله حاور إبليس!

تم النشر: تم التحديث:

طوال 29 عاماً، منذ أرسلني والدي لحفظ القرآن الكريم في "كُتاب" قريتنا الصغيرة، ولفترة قريبة جداً، كنت أقرأ وأحفظ آيات طرد ولعن الشيطان على أنها إيضاح لنا على مدى سوء هذا الكائن وعصيانه لذي الجلال والإكرام، كما تم تلقيني وملايين غيري، لم يلفت انتباهي يوماً أن الآيات تتناول حواراً دار بين الله وإبليس.

تساءلت عندما انتبه عقلي وعيناي لهذا الحوار، هل يحاور الله عاصياً لأمره مخلوقاً صنعه بيديه يقبل منه المجادلة في أمر أصدره عز وجل؟

في كل العقائد والمعتقدات الدينية ما عدا عدد قليل منها لا يوجد سوى خالق واحد، ولا تتعدد الآلهة، وبالتالي فليس هناك آخر لله حتى يتقبله، في التحاور والفكر، لكن الله جل شأنه تقبل الحوار من إبليس في أمر أصدره، ولم يعاقبه لمحاورته بل رد عليه، وجاء عقابه على الكبر والغرور الذي ميز إبليس به نفسه عن الآخر، رفض إبليس الآخر فرفضه الله.

تبدأ الصورة تتضح شيئاً فشيئاً أمام عينيك، وترتفع علامات التعجب والدهشة، حينما ترى رفضنا نحن مخلوقات الله، لأمر تقبله سبحانه وتعالى، ليس مع مَن حاوره على استحياء فحسب كما فعلت الملائكة في الأمر ذاته، بل ومن رفض وتكبر أيضاً.

تحركت بزاوية عقلي اتجاه قدرتنا على تقبل الآخر، ومحاولة إيضاح الصورة له، قبل أن يتغول في الكبر والغرور والرفض، فوجدت خواء وفراغاً، فأكثر ما نبرع فيه هو التشدق والإعلان بتقبل الآخر إيجابياته وضرورته، ووقت أن يأتي الدور علينا، نغفل الأمر، نرميه جانباً، وربما نقتله، ونبدأ في تجييش أدوات وسبل تخوين هذا الآخر وبيان حماقته.

برؤية بسيطة للآيات تجد المؤيد التام للأمر "الملائكة" ناقش فحوى الأمر، والمعارض بالكبر "إبليس" ناقشه أيضاً، وإن كان من باب الرفض، لكن النقاش أو رغبة المعرفة كانت الحاضرة في هذا الموقف الجلل، لمحاولة قياس الأمر على وضعنا الحالي أجد أن المقارنة مستحيلة، فنحن إما مؤيد تام متخلٍ عن رغبة المعرفة والعلم، وإما رافض تام بالطريقة نفسها، وكلا الطرفين يبرع في سبل التجييش وقذف الآخر.

ألا ندعي أننا متدينون وفق عقائدنا، وأحرى بنا أن يقودنا تدينا هذا لقبول المثل الأعلى في تقبل الآخر، أم أن التلقين والتعصب غير الواعي أفقدنا هذه القدرة؟

يتراشق فريقا التأييد والمعارضة للوضع السياسي القائم في مصر بالسب والقذف؛ الأول يتهم الثاني بالعمالة والخيانة، والثاني يرد بتهم الجهل والتغيب والبلاهة الفكرية، وفي وقت يطالب فيه كلاهما بتقبل الآخر ويصدح به في أبواق الإعلام المختلفة، يلعن الآخر علناً وليس سراً.

يصر المعارض على غباء وجهل، هذا الذي يرقص أو يغني لأجل شخص أو نظام ويرى في أفعاله إيجابية، بل يكيل له السباب والشتائم، فيما يدعي أن مفاهيم حرية الفكر هي ما يطالب بها، ويقابله الفريق الآخر بالتخوين والعمالة لصالح آخرين يدفعون، فيما لم يكلف نفسه أن يرى حال هذا المعترض ولماذا اعترض، يسبه بوالديه، ويطالبه بأن يحترم كبار السن الذي اختاروا هذا النظام.

وبدلاً من أن يلعب النظام دور المتعقل ويرشدهما لتقبل الآخر، يدفع بأبواق عدة لتزيد هذا الخلاف، يكافئ مَن يعلي صوته بمطالبة يراها وطنية خالصة بتكميم واعتقال دون أن يحاوره ويفهمه، معتبراً أن حق المعرفة حكر عليه، يعامله بتلك النظرة الأبوية التي تدفع الأب دائماً لمعاقبة أبنائه وإصدار أمور دون تبريرها، بحجة أنه يعرف ما لا يعرفه الأبناء، وهذا الذي يعرفه يجب أن يبقى وحده يعرفه.

الله حاور إبليس وهو ليس آخر بالنسبة له، هو مخلوق، أفلا نتحاور مع الآخر قبل أن نشوِّهه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.