المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد الغربي Headshot

هل نعيش أبشع عصور البشرية

تم النشر: تم التحديث:

إن المتابع لشاشات التلفاز وصفحات الجرائد وصور الانترنت، ليجد نفسه محاصراً بكمية هائلة من البؤس والإحباط الشديدين بسبب كثرة الحروب والنزاعات. طفل يصرخ هنا وآخر يستنجد من تحت الأنقاض هناك، وأم تحمل رضيعاً ميتاً، وشاب صامت تقرأ من قسمات وجهه نظرته البائسة لهذا العالم.

وكي لا نذهب بعيداً، فإذا نظر كل منا إلى حائطه على الفيسبوك سيجد لا محالة صورةً أو مشاركة لخبر عن مأساة أو حرب جديدة، وبالتالي صور أليمة تحفر صدورنا ألماً وحزناً على حال إنسانيتنا وما وصلته من سقوط في ظلمة الدمار والانحطاط. هذا الحجم من المآسي والصور البشعة لحاضرنا يسائلنا ويضع أمامنا استفهاماً كبيراً: هل نحن نعيش أبشع ما وصلت إليه البشرية من فقدان للعقل وتحكيم لقانون الغاب؟

الجواب على هذا التساؤل قد يبدو للوهلة الأولى بديهيًّا أو هكذا قد يخيل إلينا وهو أننا نعاصر أقبح وأدمى عصور الإنسانية على هذا الكوكب. لكن إن حكّمنا كتب التاريخ سنفاجأ بحكايات سوداء لا يصل إلى عُشرها ما نعيشه في حالنا الحاضر.

إن ما قد وقع في الماضي من أيام تاريخنا، كان حافلاً ببشاعة لا تُتَصَوَّر، فقد قامت حضارات عريقة على أنقاض أخرى، ولقد رضعت أمم من دماء سابقاتها، فكم من جيوش غزت دولاً بل قارات وأبادتها عن بكرة أبيها. فحتى عهد قريب نالت دول ما يصطلح عليه بالجنوب استقلالها بعد جرائم قاسية تشيب لها الولدان استُعمل فيها كل الأسلحة المتاحة آنذاك.

ولنسرد أمثلة معروفة للجميع وغير بعيدة من تاريخنا الحالي، فخلال الحرب الأهلية بالولايات المتحدة سنة 1861 قتل أكثر من 620 ألف شخص، ثم الحرب العالمية الأولى، والتي خلفت بدورها مآسي جمة وضحايا بلغ عددهم أكثر من عشرة ملايين. أما النسخة الثانية للحرب العالمية التي نشبت بين 1939 و1945 فقد تجاوزت حصيلتها 55 مليون قتيل وخلالها وقعت أفظع مأساة وأسرعها على مر التاريخ، ألا وهي إسقاط القنبلة الذرية على هيروشيما اليابانية مخلفة 80 ألف قتيل في ظرف 9 ثوانٍ فقط!

إن نسبة الرعب الذي تتركه هذه الأرقام في دواخلنا تكفي لنعي مقدار ما عانه أهل هذا الكوكب فيما مضى دونما المزيد من النبش في العصور السحيقة، حيث لم تكن من لغة سائدة حينها سوى لغة الإبادة والقتل والدمار.

في نظري قد يكون مقدار الظلم والعدوان فيما مضى أقسى مما هو عليه اليوم، فأجدادنا أيام الاستعمار أو الهنود الحمر أيام الغزو الأوروبي، أو السود أيام الاستعباد المخزي، كل هؤلاء لم تكن هناك عدسات تنقل معاناتهم ولا صفحات على الإنترنت تتضامن معهم ولا شاشات تنقل آهاتهم.

كل ما تم سرده يعد دليلاً قاطعاً على أننا نعيش أفضل مما كان عليه خلفنا، فعلى أقل تقدير نحن نستطيع سماع صرخات المكلومين أينما كانوا والعالم مهما كانت قسوة قلبه لن يصمد أمام صوت المظلومين.

إذن فالإعلام بشكليه التقليدي والبديل يلعب دوراً كبيراً في نقل معاناة الإنسان مع الحروب وتحسيس بقية العالم بمآسي الآخرين والنتيجة هو تحرك العقلاء وضغطهم على أمراء الحروب لوقفها. حروب كثيرة أوقفتها ضغطة على زر المشاركة على فيسبوك أو إضافة رمز الهاشتاغ لحملة تضامنية. إن وسائل التواصل الاجتماعي لها فضل كبير في الحد من معاناة الناس مع الحروب والتقليل من نسبة البشاعة والدمار.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.