المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد الغربي Headshot

نعيب إبريقنا والعيب فينا!

تم النشر: تم التحديث:

2016-05-13-1463178485-1650938-970974.jpeg

قامت إحدى الشركات المنتجة للشاي في المغرب بتحضير أكبر إبريق شاي أو "براد" كما نسميه نحن المغاربة. الغاية من الخطوة كانت دخول كتاب غينيتس كأكبر إبريق شاي في العالم، والهدف الثاني بالنسبة للشركة المنتجة هو بالطبع الدعاية لمنتجها. إلى هنا القصة تبدو عادية، لكن ما استرعى انتباهي وأيقظ استغرابي هو كمية النقد والسخرية التي طالت هذه المبادرة.

ما إن سقطت أولى صور الحدث بين جدران سكان مجتمعات التواصل، حتى فاضت الصفحات والمنتديات بكمية هائلة من التعليقات، التي تذهب في أغلبها إلى السخرية من المبادرة. ففي مثل هذه اللحظات تجد الإبداع الفيسبوكي في قمة عطائه، وتكتشف المواهب الفذة المتقنة لفنون النقد اللاذع ومصطلحات جهابدة النقد الفلسفي تتناثر بين التعليقات، ليبدو ذلك الإبريق المسكين بين يدي صناع الفرجة الافتراضية مثل الحمل الوديع المستسلم لسكين الجزار.

ولقد تفاوتت الردود على قصة الإبريق بين تعليقات وتدوينات واستدعاء للمقارنات، ثم لتمتد أنامل الإبداع إلى الصور الممنتجة ثم لتصل ذروة العطاء الفني مقاطع الجيف الساخرة. لكن ما بال القوم قد أعلنوا النفير وأطلقوا صيحات الغضب من إبريق لا حول له ولا قوة؟

لنفهم سبب الغضب الغريب لبعض سكان الفضاء الرقمي، كان لزاماً إلقاء نظرة على بعض التعليقات ومتابعة المشاركات المختلفة على هذا الموضوع. فبين من يستنكر قائلاً "أهذا أقصى ما يمكن أن نصل إليه.. يا للفضيحة!"، وبين من يسرد ما وصلت له الأمم الأخرى من تطور كبير أمام انحطاط وانحدار حضارتنا، وملقياً اللوم على مبادرة إبريق الشاي ومستنكراً إهدار المال على مثل هذه الأمور.

لو حاولت سرد ما رصدته من خلال الردود المتعلقة بهذه القضية، لوجدنا أمراً محورياً تدور في فلكه جل التعقيبات، وهو اعتبار المبادرة فضيحة لأمة لا تعرف سوى إنتاج الفشل والتباهي به.

لكن، في نظري، إن دلت كمية الردود المنتقدة للمبادرة على شيء، فهو للأسف أزمة النقد الفارغ وغير البناء والتعريف الخاطئ للنجاح، بل الإبداع أحياناً في السخرية من الذات. ولو ضع الحروف على النقاط والرد على عاصفة النقد الهيستيري لمبادرة الإبريق، فأتمنى استيعاب النقط التالية:

أولاً: الذي يعتبر هذا تخلفاً، فأكبر تخلف تعاني منه أمتنا، كما سبق ذكره، هو النقد الفارغ وغير البناء، والركض خلف كلمات منمقة من هنا وهناك، يظن صاحبها أنه قد أوتي من الحكمة ما يجعله يسخر من أي مبادرة، دون أن يكلف نفسه عناء النبش وراءها ليرى الصورة الكاملة للموضوع.

ثانياً: أصحاب مبادرة الإبريق هم شركة خاصة منتجة لحبوب الشاي الأخضر، ولا يمكن لومهم على إهدار المال لأنه ليس مالاً عاماً.

ثالثاً: هذا الابريق الضخم كان وسيلة تسويقية ناجحة، والدليل على ذلك ما أحدثته من BUZZ جعل العلامة التجارية للشركة القائمة عليها تصل إلى أكبر عدد من عملائها المستهدفين (وأولهم أصحاب هذا النقد). وهذا في حد ذاته نجاح كبير لأصحاب المبادرة.

رابعاً: مثل هذه الأفكار قد تصنع الحدث على الصعيد الدولي، وهذا إبداع جميل ونجاح يثنى عليه، بل وجب دعمه لما له من أثار إيجابية على تسويق الوجهة السياحية للبلد، خصوصاً أن الشاي يعد رمزاً ثقافياً لبلدنا.

وقبل الختام، أود أن أشير إلى أن الأمم المتقدمة لم تصل إلى ما وصلت إليه بنقد وتحقير أي مبادرة، بل بالعكس هم يشجعون الإنتاج كيفما كان شكله، ويدعمون روح المبادرة مهما كان نوعها ويفتخرون بإنجازاتهم مهما اعتبرها البعض تافهة.

إن انتقاد كل صغيرة وكبيرة والإبداع أحياناً حد الهوس في السخرية من كل المبادرات، ليخفي وراء قناع صاحبه أزمة نفسية عميقة، تدل على ضحالة الوعي وقصور الرؤية. لدى أدعو كل من رأى في نقده لمثل هذه المبادرة صواباً، أن يشمِّر عن ساعديه ويرينا قمة إبداعه ليضعنا على قائمة الدول المتقدمة، بدل أن يتفنن في نقد الآخرين ويغدق عليهم بما نقله من منتديات الحكم الجاهزة والعِبَر الخالدة.

ولم يبقَ لي في الأخير كذلك إلا أن أستعير البيت العربي الشهير وأحشر فيه إبريقنا المسكين فأقول: "نعيب إبريقنا والعيب فينا .. وما لإبريقنا عيب سوانا"!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.