المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد العطار Headshot

مقال الأسوار

تم النشر: تم التحديث:

ما بين بناء الأسوار والجدران وبناء الإنسان والأوطان يكون السؤال: لماذا يخاف النظام القمعي البوليسي من بناء العقول والأوطان؟ ولماذا الإصرار على بناء الجدران والأسوار؟

جدار الفصل العنصري
سور برلين
سور ظلم مجمع المحاكم

ثلاثة أسوار لثلاث قصص في ثلاث دول

دائماً وأبداً ما تقوم الأنظمة القمعية الاستبدادية ببناء الأسوار والجدران؛ لإحكام مزيد من الحصار، وفرض مزيد من المعاناة على الشعب المسكين، والولوغ في مزيد من تقطيع أواصر البلاد، والتعتيم على مزيد من القتلى والمعذبين في سجونها، وذلك ظناً من تلك الأنظمة أن بناء وتشييد الأسوار وتعليتها سيحميها ويجنبها المتاعب، وسيمنع عنها الأذى المحتمل (والإرهاب المحتمل)، ولكن العكس تماماً هو الصحيح، فكلما استبد النظام وتوغل وتوحش، مهَّد لمزيد من التذمر والعداء من قِبَل الشعوب لتلك الأنظمة وأجهزتها الأمنية والتنفيذية.

لقد أثبتت التجارب والتاريخ أن بناء وتعلية أسوار الظلم والقهر لن يأتي بالاستقرار بقدر ما يزيد من الكراهية، وبث روح الانتقام من المواطنين تجاه الأنظمة، لم ولن تفهم تلك الأنظمة أن الاستقرار والأمن والأمان لا تأتي بتعلية الأسوار وبناء السجون، ولكن ببناء وتعلية الثقة والتعايش السلمي المتبادل بين الحاكم والمحكوم، فكلما ازدادت الأنظمة في تعسفها وقسوتها على المواطنين، اقتربت نهاية تلك الأنظمة، ولم يستمر نظام ظالم في السابق، ولن يستمر في الحاضر والمستقبل، إنه كما تهدم وتصدع الاتحاد السوفييتي السابق وثاني أكبر قوة في العالم لعشرات السنين، وكان تحطم سور برلين البداية لذلك الانهيار، سيتحطم جدار الفصل العنصري في فلسطين المحتلة، وسيسقط جدار الظلم، جدار مجمع المحاكم بالتجمع الخامس.

السور الأول

جدار الفصل العنصري، أقامه الكيان الصهيوني لفصل الضفة الغربية وتقطيع أواصر القدس المحتلة، وتكلف بناؤه مئات الملايين من الدولارات، ففي 6 يونيو/حزيران 2002 بدأ الصهاينة في بناء جدار فاصل يقطع أراضي الضفة الغربية قطعاً، مضيفاً معاناة أخرى إلى ما كان يعانيه سكان الضفة من قبل.

السور الثاني

سور برلين الشهير الذي فصَّل وقسم أراضي الدولة الألمانية إلى غربية وشرقية، وهو أكبر شاهد عيان على الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي سابقاً والولايات المتحدة وحلفائها من ناحية أخرى، وقد بدأ بناؤه في 13 أغسطس/آب 1961.

عاش الشعب الألماني في وجوده منقسماً بين دولتين، ومات المئات منهم في محاولة للوصول إلى الأخ أو الأخت أو حتى الزوجة، وبعد أكثر من 28 عاماً على بنائهِ وفي يوم 9 نوفمبر/تشرين الثاني من عام 1989 تحطم أولى لبنات هذا السور الذي طالما شهد مقتل المئات، وتحطمت أحلام العائلة الواحدة في التلاقي والعيش تحت سقف واحد، وبعد ذلك توحدت ألمانيا؛ لتصبح أكبر قوة اقتصادية في أوروبا.

السور الثالث

هو سور مجمع محاكم التجمع الخامس في القاهرة الجديدة، تلك المدينة الجميلة التي تم بناؤها في تسعينات القرن الماضي، وبني في القلب منها أكبر مجمع محاكم ونيابات في القاهرة؛ ليكون شاهداً على ظلم وجبروت السلطات المتعاقبة التي تنكل بالمواطن المصري.

وفي مجمع المحاكم هذا يتم عرض المتهمين على النيابة، وتكون فرصة الأهالي لإلقاء نظرة خاطفة على أحبتهم ولو من على بُعد أمتار، ولكنها تكون كافية للاطمئنان عليهم، في ظل إهدار كل الحقوق التي تنص عليها القوانين والأعراف والدساتير السماوية والوضعية في حق المتهم بلقاء من يحب في أوقات كفلها القانون والدستور، وليست منة أو تكرماً أو عطفاً من السلطات القائمة، بل كحق أصيل للمتهم.
بني هذا السور ليحرم المتهمين وذويهم حتى من تلك النظرات الخاطفة عن بُعد.

يتكون سُور الظلم في مجمع محاكم التجمع الخامس من مجموعات أو وحدات خرسانية منفردة يتم تجميعها لتشكل سوراً، تكلفة كل وحدة خرسانية ما بين 15 ألفاً إلى 25 ألف جنيه مصري تقريباً، حسب أسعار الخامات المستخدمة وتكلفة التصنيع، أي أن السور الواحد المتكون من ألف وحدة خرسانية في المتوسط يكلف مليوناً ونصف المليون إلى 2.5 مليون جنيه!

كم تكلف تلك الأسوار؟ ومَن يدفع ثمنها؟ أهو الشعب المقهور الذي يسرق قوته لتبنى حوله الأسوار؟ ولمصلحة مَن؟ وهل يهدر النظام كل هذه الملايين للتشفي في أهالي المعتقلين بدلاً من إنفاقها فيما يحسن من أحوال المواطنين ويرفع عنهم أعباءهم؟

فَلْنَبنِ جدار المحبَّة والإخاء والتعاون، ولنهدم جدران الكراهية والظلم.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.