المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد دوزي Headshot

حواء

تم النشر: تم التحديث:

أنتِ لستِ من نوعية النساء التي يراها المرء فيمرُّ مرور الكرام، أنتِ وقفةٌ تأملية، أنتِ فلسفة حياة، ومكاشفةٌ ذاتية، أنتِ أراكِ فأقف وقفةً مع نفسي كتلك التي أقفها مع ذاتي كل عيد ميلاد، أراكِ فيمرُّ أمامي شريط حياتي، بسرعة البرق، أراكِ فألوم نفسي قائلاً: أين كنتُ من كل هذه الحياة، أراكِ فَيَحْضُرُنِي قولُ شاعرنا "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".

أنتِ من نوعية النساء التي بنظرةٍ تغيرين نظرتي للحياة، بكلمةٍ تضفي على مفهوم الحب معنى مغايراً جديداً، بلمسة يضحى مذاقُ الحياةِ فجأة لذيذاً فريداً، بهمسةٍ منك يصبح الكلام غناءً وشعراً تليداً، بحركةٍ منكِ يُمسي الرقْصُ فناً رشيداً، في كل تفصيلةٍ من تفاصيلكِ يجلسُ القمرُ تائهاً شريداً، شمس الصيف تغارُ منكِ لِتُلْهِبَ الأرض زفيراً وتَنْهيداً، وشمس الشتاء تفر منك تائبة طريدة.

رِفقاً بهذا الكونِ البديعِ، ورفقاً سيدتي بقلبي البريءِ الصريعِ، قد تُبْتُ عمَّا قلتُ في الحب قَبْلَكِ وعن كل كلام شنيعٍ، وُلِدتُ اليوم من رحِمِ حبكِّ وقرّرْتُ إحسان الصنيع، افتحي لي سيدتي أبواب حِصْن قلْبكِ المنيع، واسقني شربةً من دمك النقي الرفيعِ، لا أظمأ بعدها مهما طال رواقُ الحب الوجيعِ، يا سيدتي حرِّكِي أناملك، واكتبي لي رسالة وحرفاً كجو الربيعِ، يزيدُ ناري لهيباً ويَقِضُّ مضجعي الوديع، اخْلِطِي أوراق روتيني المريع، واكتبي لي بخط يدك الجريء الشجيعِ، حياةً جديدةً أبدأها كطفل رضيعٍ.

هأنذا قد فتحتُ اليوم كتابي على مصراعيه بين كل الكتب، وكشفت كل أوراقي على طاولة اللعب، وأعلنتها صريحةً بعد أن أضناني الشغب، مرت عليَّ نجوم كثيرة لم ألقِ لها بالاً من كثرة السحب، ثم جاء نجمك بعاصفة ملأت سمائي شُهُباً، فانقشع الغبار وجاء الصباح ببشرى للقلب، بوجهك الوضاحِ في أبهى حُلَّةٍ وأجمل موكبٍ وسرب، وجدْتُنِي مُستقبِلاً تائهاً وراء قلبي المحب، أَمِنْ ضِلعي خُلقتي لتُسيطري على فكري التَّعِب؟ بالله عليك لا تلومي لساني العَذْب، فقد أُسِرَ بلقائك وسُلِب.

وردةٌ أنت في حديقة الأزهار، وللورد مُحِبُّونَ بعدد الوديان والأنهار، مِنهُم من يَقطفكِ من بيئة الأشجار، يَستخلصكِ لنفسه بعيداً عن الديار، ويَحرمكِ من حياة الأبرار، وهل تعيش الوردة بعد قطفها تحت الحصار؟ بل تَذبُلُ ويذهبُ عطرها الجبار، أمّا أنا فقد ارتأيتُ ترككِ بين الأزهار، ازدهري ليَحلو لي رؤيتك ترقصي تحت الأمطار، تَحرّكي شامخة الرأس خلف الأسوار، ولا تنسي موعدنا في مدينة الأنوار، تَكَبَّرِي واحتقري كل الأخطار، كوني صعبة المنال، ولا تنسي أنكِ خُلقتِ لأجلي فلا مجال للفرار.

لا أُخفيك أميرتي أنكِ قد غيرتِ خريطة أفكاري، وأنشأتِ بداخلي دُروباً وشوارع واتسع خيالي، وأَضأْتِ فِي أركاناً وزوايا ما علمت بها من قبل، فإلى أين مآلي؟ أتتركينني وحيداً في كون روحي البالي؟ أم تنقذيني من بحر حبك المتعالي؟ اعلمي أميرتي أن من طَبعِي التمرد، ومن شيمتي فَكّ أغلالي، ولا أنضوي تحت راية أي عرش، ولكني أجد عرشك عادلاً لا ينوي احتلالي، فما قولُكِ أنعلن الحرب معاً على هذا العالم المليء بالأهوال؟ فلنشْرب إذاً نخب حُبِّنا ولنتقاسم دماءَ عِشقنا الغالي.

أتقبلين دعوتي لشرب فنجان قهوة، اعتبريني من المدرسة القديمة، من ذلك الجيل الذي يُهْدي حبيبته كتاباً حكيماً، لا يُتقن فن الدردشة المملة العقيمة، فلنتجاذب أطراف الحديث حول طاولةٍ كريمة، أَسْلِمِينِي عقلكِ واعْزِفي لي أجمل الترانيم، من بقايا أفكاركِ وثقافتكِ السليمة، فأنا لا أريد مِزْهَرِيّةً، جميلةً من الخارج فارغة الروحِ سقيمة، أريد وردة تَشِعُّ ذكاء وتَسْلُبُ عقول الناظرين.

فما قول أميرتي، كَلِّلِي فكرتي وعرضي بموافقةٍ رقيقة، فإني على ما قلتُ ذو سجيةٍ غامضةٍ عميقة، وما أنطقَنِي غير جمالكِ وروحكِ الرشيقة، إني نذرت ألا أدخل غير مملكتكِ العتيقة، وأشهرتُ كل أسلحتي وطلبت من الله التوفيقَ، واستنْفَدْتُ كل خططي ولَعِبْتُ كل أوراقي الخليقة، وحرقتُ سفن النجاةِ ونسفتُ كل الجسورِ الصديقة؛ إما وُلُوجاً إلى مملكتكِ ومُشاطرَتكِ عَرْشَ الهوى وبُرْجَهُ الشَّهِيقَ، أو موتاً على طريق الحب ما بعدهُ استفاقة، ولا بعدهُ توبة وتصفيق.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.