المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد دوزي Headshot

رسالة إلى الحياة

تم النشر: تم التحديث:

ما فَهِمْتُكِ، وما أَتْقَنْتُ خُدَعَكِ، وآخر امرأة التقيت بها، نَفَّرْتِنِي فيها، كنتُ أجد ريحها قويةً، كانت تَكتُم أنفاسي، ما استطعت تحديد نوع عطرها، أظن أنها رائحة الفقر، خليط من المشاعر المصطنعة، ومظهرٌ براقٌ جذابٌ، يَنُمُّ عن داخل كذّاب، تماماً كحقيقتك، أظن تلك المرأة توأمك، تشبهك في كل شيء، لم يُكتب لنا البقاء مُجتمعين، فانصرفنا غير آبهين، ووقفتِ أنتِ متفرجةً كعادتك، وكانت لك الابتسامة الأخيرة، تلك الابتسامة الشريرة في آخر المشهد، لا تتقنها إلا الحياة في كامل تهريجها.

إليك أنت أكتب رسالتي، ولن أُعطِّرَها، وقد أختمها يوماً ما بخاتم الموت، إن أنت سمحت لي بفرصةٍ وفاصلٍ من الوقت، والإلهام، لكتابة وصيتي الأخيرة، ما عُدت أتقن فن التوسل والاعتذار، في لعبتنا أنت من يضع القواعد، لا مكان لي في سُلَّمِ النفاق الاجتماعي، ولم أعد أستسيغ خططك، لماذا علينا أن نعيش وفق خطة ما؟ ألا مجال لديك للاسترسال؟ ما بِكِ تُقبلين إذا أدبرت، وتُدبرين إذا أقبلت؟ أما تعبتِ من لعب هذا الدور البئيس؟ ما يَضيركِ أن تكوني صريحة، أن تُقطعي أوراق ذلك السيناريو المحبوك، وتُفاجئي الحاضرين بخطاب شفاف مباشر؟

رأسمال المفلحين الكلام، حرفة مدرّةٌ للدخل، أيّاً كانت مهنة الإنسان فيكِ، لن يزدهر إن لم يتقن فن الخطاب والتفاوض، وأنا قد تعبت من التفاوض، وما جدوى الخطاب، إن كان العمل سراباً؟ ما سر النجاح فيك وما وجه الصواب؟ لعلنا نطلب شيئاً لا وجود له وسط هذا الخراب، نطلب الراحة ربما وتفادي الصعاب، أو نطلب الخلود وبلوغ السحاب، وهل نكتفي يوماً من العتاب؟! لا شيء يعجبني، وما كان بالأمس شهياً لذيذاً، بات معتاداً وضباباً.

في يوم حظ فيك، استيقظت على غير عادتي نشيطاً، مقبلاً عليك بنفس جديد، وطلة بهية وعقل رشيد سديد، وضربتُ موعداً مع السعادة، علَّني أفوز بلقاء معها ولو لسؤالها بضعة أسئلة من قبيل: ما السعادة؟ وكيف الوصول إليها؟ علّها تُعرِّفُني على نفسها وتتحدث بصراحة وطلاقة، فوجدتها أخت الراحة، لا تدرك هي الأخرى، ولا تدوم إلا وقتاً قصيراً، ومحلها النفس، وكِلاهما من أبنائك وجندك، يُعينونك علينا، نركضُ وراءهم، ما حيينا ليتجلّوا لنا عند موتنا.

ثم وجدتهم يتحدثون عن الحب، وقد أقاموا له روايات وأفلاماً، ما عَلِمُوا أنه شريكك في الجريمة، وكذبة كبيرة سقيمة، ضاع وراءها أجيال وعائلات قديمة، وأبطال رواياته كلهم ماتوا ميتة أليمة، وكلهم بلا استثناء مُنِيُوا بالهزيمة، هزيمة نكراء في حرب دموية، سلاحها التضحية ودماؤها المشاعر، خَلَّفت أزمات وأجيالاً عقيمة، لا تلد الحياة ولا تُضفي على الإنسان أية قيمة، أهذا حبك الموعود؟ ألا تستسيغينه إلا في قصص حزينة؟ عشتروت ربة الحب فيك، لم أكن أعلم أنها عاهرة قديمة، خليلة الأرباب، قيل إنها ولدت آلهة كثيرة، يقدرون بسبعين "ايليم" كذلك سمتهم حياة الغابرين.

علمت يومها من كتاب مبجل محبوك، أن كلمة القديسين والقديسات كانت عند البابليين تطلق على الذكور والإناث، الذين نَصَّبُوا أنفسهم للبغاء في حرم الربة عشتروت، نعم ربة الحب عاهرة، ضحكت يومها هستيرياً، ضحكت على كل تلك الرسائل القصيرة الليلية التي بعثتها باسم الحب، وندِمتُ عليها في الصباح الموالي، لم تكن إلا حالة ضعف، في مسرح حرْبك البليدة، بطلها ناي، يعزف ألحاناً، خلقتها ربة، من بقايا العهر والبغاء، كلهم يؤدون أدوارهم على أكمل وجه في مسرحك.. مسرح الحياة.

في كل المسارح جمهورٌ وممثلون، إلا في مسرحك، الكل ممثل رغماً عنه، والكل يؤدي دوره المَنُوط به، بلا ترتيب ولا استعداد، يعلم ما عليه لفطرة أودعت فيه، حتى موتنا واعتزالنا لمسرحك مُخطط له، حلقاتٌ نحن ندور في آلة زمنك، وفق قوانين صارمة، ونظامٌ مبرمج بإتقان، أَلَمْ تتعبي منّا، قد مرت ملايين السنين، نصفُ عمر الشمس قد انقضى، وما زال مسرحك قائماً عند ناصية الدرب، درب التبانة، ألا من ثقب أسود يأخذنا ويأخذك، ويلقي بك ومسرحك المفلس في ذلك الفضاء الفسيح، الذي يضيق بك كلما اتسع، قد عاث الفساد واستشرى القتل والاضطهاد، واقتتل الممثلون لنيل رضاك، فماذا بعد؟

إن كان الذي بيننا زواجاً فقد طلقتك بالثلاث، وإن كان حباً ووفاء، فها أنا ذا أرمي عليكِ يمين الشتات، وإن كان بيننا وعدٌ أو عِقدٌ وشركات، فقد أحللتك اليوم من كل العهود والقضاة، إني اليوم قد قررت الانسحاب من مسرحك القديم، متجهاً لشكل آخر من أشكال الحياة، سأكمل التمثيل في مسرح الأموات، أتظنين وحدك من بيده سر الخلود، وحدك من أوتيت كل الملكات، مخطئة حيث تظنين نفسك حياة، مكانك بين العصاة، بيت ليلك في الحانات، تراقَصي بين يدي الأثرياء في الصالات، وانصحي في الصباح الفقراء بالصبر والثبات، أنت لست نقيض الممات، ولست أطْلُبُ الموت بأن طلبت الانفصال عنك بالذات.

تلك بعضٌ من كلماتي، قد وجهتها لك على حين غفلة، بعد أن ضاق بي مسرحك، لا تقلقي، لن يدوم سباتي، ولا تعدو غضبتي عن كونها بضع كلمات ودماً حامياً يجري كنهر الفرات، سأسمع أغنية، وأصلي بضع ركعات، علّي أتوب عما قلتُ فيك بعد صلاة، وسأسخط عليكِ حد الموت، ثم أعود لأطلُبك يا حياتي، لا غنى لي عنك ولا أنوي الاعتزال، وإن متّ فما زال أمامي مقتبل من العمر أعيشه بعد مماتي، وسأؤدي دوري راغماً وأضحك ملء فمي في وجه كل آتٍ، لن أُتقن يوماً دور القديس العاهر، فقد كفرت منذ زمن بكل القديسات.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.