المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد دوزي Headshot

صديقي الذي رحل

تم النشر: تم التحديث:

أراك انطلقتَ مودّعاً، اتخذتَ القرار، وأعددت العدة، ورميت الذي كان بيننا في خبر كان، قطفت أزهار قصتنا ونسفت أرض نجوانا، حرقت أشجار صداقتنا، وما همّك الرحيل، وما همّك الأهل والخلان.

ولستُ أريد وداعاً، قد لاحظتَ ربما علامات التردد عليَّ عند لقائنا الأخير، بدوتُ ضاحكاً ساخراً بخطاب الوداع وتحية الفراق الطويل، أو هكذا اتّخذْتَ القرار وحدك ونكرت الجميل؟ أهان عليك تركي في هذا الدرب وحدي أسير؟

أسِرَّ لي النجوى صديقي واذكرني متى كان يومُك عسيراً، ولا تَطلُبْني، لا أحب كلام الهواتف ولا أريد سماع صوتك، دع الشوق يتأجج، علني أحضُنك يوم لقائنا الأثير، أَوَ تدري يا صديقي ما زال النادل يسألني عنك، وما زِلت أطلب لك نفس العصير.

غِبت فغاب القمر عن سماء المدينة، خَلَتْ لياليها سوداء سقيمة، وتلك المطاعم التي ارتدناها معاً، لم يعد لها طعم ولا قيمة، ومساء الجمعة بعد العمل، أصبح رتيباً فائدته عديمة، تعودت عيناي رؤيتك ولساني ذمَّك، فلمن الشكوى ولمن الشتيمة؟!

كنتَ خارطتي في هذه المدينة المشؤومة، وعيني التي ترى ما لا أرى وبديل أذني المصمومة، وموقدي يوم خَبَتْ نارُ حظي وهجرنيَ القوم، وأملي يوم خانني الإلهام وأَبَتْ يدي رفع القلم، فلمن أرثي جميلك ولمن أبكي مصيبتي بعدك، ولمن نترك مجالسنا وحكاياتنا وقلبيَ المهمومَ؟

كيف اتخذت القرار؟ وكم كان نصيبي من حساباتك ومن أخذك وردِّك وأنت تُقلِّب في ذهنك كل تلك الأفكار؟ هالني الفراق صديقي ولم أكن مستعداً لهذا الفِرار، كيف عزمت أمرك وطاوعك قلبك على هذا المصير الجبار؟ كنتُ أظنك مازحاً في بادئ الأمر، كنت أظنك فاقد الوعي أو حالماً هائماً في استهتار، ثم رأيتُ الجواز ورأيت عزمك ووجهك المحتار، فكانت وخزةٌ غائرةٌ وضربةٌ هزت كياني المتلاشي المنهار.

تركتني صريعاً صديقي، فهلا عدت بأحسن حال، لا فَواق مما اعتراني ولا شفاء مما آل إليه المآل، لن أُضرم ناراً ولن أسمع أغنية صاخبة بعد الآن، أمسياتي بعدك باردة متهالكة، وصباحي شارد البال، أم كلثوم التي طالما زيّنت صباحاتي أخالها تركت غناء الحب، وغنّت في رثاء الخلان، وفيروز بصوتها الشجي تدعوك صباح مساء فهل من عودة لمحو الأحزان؟ والقهوة عاجزة لا تستطيع عزاءً ولا اطمئناناً.

سأبقى مكاني حيث تركتني محافظاً على الوعد، وأدعو لك في صلاتي كما اعتدت بكل وُد، وأكتب لك كل يوم حرفاً أحلى من الشهد، وأجول بخاطري في ذكرياتنا وأُمقِتُ البعد، وأرقّ لك حيناً وألومك حيناً بين سلم وحرب، سأنتهي إلى قصتنا وأصنع منها عطراً برائحة الورد، وأغرس في حديقة مجلسنا ياسميناً من الذكريات والحب، وأختم رسائلي إليك برمز وكلمة من قاموس قصصنا العذب.

صديقي، إن الحياة غربةٌ لمن غاب عنه الخليل، والمدينة صحراء لمن ليس له عن صاحبه بديل، والأرض الواسعة ضاقت فكيف السبيل؟ والليالي بيداء والفرح مستحيل، والمكتب عامرٌ لكنهم في غيابك غثاءٌ قليل، ادعو لي -يا صاحبي- بالشفاء من هذا التخبط العليل، وتذكّر ما كان مني، خيري وشري، واصفح الصفح الجميل، هذا كتابي إليكَ اقرأه على مُكْث، بإيقاعٍ شعريٍّ سليم.. إلى هنا أكتفي وأنتظر منك رداً يَشفي الغليل.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.