المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد دعدوش Headshot

صعود التفاهة

تم النشر: تم التحديث:

يقال إن الإذاعة المصرية استطلعت آراء الناس في الشارع قبل عقود، بشأن أكثر المطربين شعبيةً، ففوجئت الإذاعة، الحريصة على نشر الطرب الأصيل، بأن المغني الشعبي أحمد عدوية كان أحب إلى الناس من عبد الحليم وعبد الوهاب، وقررت ألا تعيد الاستطلاع مرة أخرى.

أميل كثيراً إلى الاستشهاد بقانون "غريشام" النقدي خارج مجاله الاقتصادي، فقد أثبت توماس غريشام، في القرن السادس عشر، أن العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من التداول، أي أن طرح عملة نحاسية مثلاً للتداول يدفع الناس فوراً إلى ادخار العملات الذهبية والفضية، والاكتفاء بتداول النحاس الرخيص، طالما أنه مقبول في السوق.

ويبدو لي أن الأمر ينطبق على الفكر والثقافة والفنون أيضاً، فعندما تتاح الفرصة بالتساوي للثقافة الراقية (ولا أقصد النخبوية وصعبة الفهم بالضرورة) إلى جانب الثقافة "المنحطة"، فإن الذوق العام ينهار سريعاً تحت ضغط الغرائز، ويسود الانحطاط المشهد، وهذا طبع الإنسان أينما كان.

وإذا نظرنا إلى تاريخ الأفكار والفنون والآداب عبر العصور نجد تذبذباً في مستوى الانحطاط والرقي للأمم المختلفة، مع غلبة الانحطاط في معظم الأحيان، وكأن الرقي لم يكن سوى استثناءات عابرة، فسرعان ما تجرفه تيارات الغرائز الشعبوية.

ومن أبرز الأمثلة على هذا الصراع، صعود تيارات السفسطة العدمية في اليونان عندما تململ "المتفيهقون" من انشغال الفلاسفة بالتأملات النخبوية، وطغيان الأساطير الوثنية على العقول، فبدأوا بالتمرد على كل الحقائق، في محاولة لتأصيل العبث.

ولم ينجح سقراط لاحقاً في إعادة الهيبة للعقل سوى بطرح الفلسفة على مستوى الشارع، حتى قيل إنه كان أول مَن أنزل الفلسفة من السماء (الغيبيات والقضايا الوجودية) إلى الأرض (حياة الناس العملية)؛ ليسحب البساط تدريجياً بدهائه من تحت أقدام السفسطة الشعبوية.

والمؤسف أن قصة نجاح سقراط لم تنتهِ إلا بمأساة، فقد حكمت عليه السلطة بالإعدام؛ كي لا "يضلل" العقول، بعد أن تشربت ثقافة الانحطاط، ولم يستطِع من بعده أفلاطون أو أرسطو إنقاذ البلاد من هذا الانحطاط، ولم يكتب النصر للإسكندر "العظيم" إلا بقوة السلاح.

العدمية والشعبوية

شهد آباؤنا في القرن العشرين إعادة إحياء السفسطة تحت مسميات "ما بعد الحداثة"، ولا سيما بعد حربين عالميتين حصدتا أرواح عشرات الملايين من البشر، وكأنهم حشرات، فصارت العدمية شعار المرحلة، وأعلن فلاسفة كبار "نهاية النظريات الكبرى"، وفراغ الفلسفة من المعنى، وامتد الأثر بطبيعة الحال إلى كافة مجالات الفنون والآداب ومجريات الحياة.

وإذا كان البعض يعتقد أن الغرب تعافى، فما نراه اليوم من صعود الشعبوية وانهيار عقد العولمة يثبت مجدداً للرومانسيين أن الغرائز قد تُهذَّب مؤقتاً ولا تتبدل، ولعلهم لا يعلمون أن سياسيي أوروبا الذين بذلوا جهوداً جبارة لبناء الاتحاد الأوروبي منذ عام 1992 لم ينجحوا في أي بلد سوى بإقناع نسبة تزيد بالكاد عن الخمسين في المائة من الناخبين بالتكتل، ولطالما كانت هناك أدوات "ديمقراطية" لتمرير سياسات التكتل على الرغم من الرفض الشعبي له.

وسبق لابن خلدون أن تنبأ بدورات تنهار فيها الحضارات بعد بلوغها الذروة، واستنبط البعض نظريات "حديدية" لانهيار الأمم، مثل: شبنغلر، وهيغل، وماركس، وفوكوياما، وأعتقد اليوم أننا نشهد عصراً مختلفاً للنخبة الرأسمالية المعولمة التي تدير إمبراطوريتها فوق مستوى القوميات والدول، فلم يضرها انهيار إمبراطورية بريطانيا التي كانت لا تغيب عنها الشمس، ولن يضرها اليوم انهيار الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي طالما أنها ما زالت قادرة على نقل أصولها إلى أي قاعدة أخرى، سواء كانت الصين أو روسيا أو الهند أو منطقة أخرى لا نتوقعها.

غزو الحمقى
كنا نحتفل قبل ست سنوات بامتلاكنا أدوات التعبير غير المسبوقة في مواقع التواصل الاجتماعي، ولم ننتبه إلى أن الأنظمة "المترهلة" كانت تستخدم أدواتنا نفسها التي لا نملك غيرها، فضلاً عن تمسكها بكل أشكال القوة التقليدية، من ناعمة وخشنة، ثم انتبهنا أيضاً إلى أن المنبر المفتوح للجميع هو انتحار للديمقراطية (الافتراضية على الأقل)، وليس انتصاراً لها، كما تنبه إلى ذلك أفلاطون قبل ألفَي سنة.

في مقابلة صحفية شهيرة، قال الفيلسوف الإيطالي أمبرتو إيكو، قبل موته بقليل، إن مواقع التواصل الاجتماعي تمنح حق الكلام لجيوش من الحمقى، فقد كانوا في الماضي يتكلمون داخل البارات فقط وهم سكارى دون أن يتسببوا بأي ضرر للمجتمع، وكان يتم إسكاتهم فوراً، أما الآن فأصبح لهم الحق بالكلام مثلهم مثل مَن يحمل جائزة نوبل، ويضيف في حسرة: "إنه غزو الحمقى".

كان المثقف المخلص لقضيته يعمل جاهداً على رفع مستوى العامة بتوعيتهم وتنويرهم، أما اليوم فبات مضطراً لإرضاء العامة بتقديم ما يحبونه عبر منبره الافتراضي، وإلا شنّوا عليه غزوة "هاشتاغية" تهوي بأسهمه في بورصة الشهرة.

كان الكاتب يضع مقالاً أو كتاباً وهو يعي ما ستتعقبه فيه أقلام النقاد الموازين له في العلم والفهم، أما اليوم فقد يقضي الوقت نفسه في كتابة منشور (بوست) من بضعة أسطر، وهو يضع في ذهنه من البداية أن يكون موجزاً للغاية؛ لأن القارئ العصري مهووس بالاختصار، وأن يكون مُرضياً للجميع بكل مستويات فهمهم وتشعب قناعاتهم، ثم يقضي يومه في توضيح كلماته التي ستبدو للكثيرين من لغة فصيحة منقرضة، وتصحيح مفاهيمهم بشأن تركيب العبارات والفوارق بين التعميم والشمول، وبين القياس والتمثيل، وبين المنطق والمغالطة، وعليه أيضاً أن يشرح لماذا اختار بعض الكلمات دون بعض؟ ولماذا قدّم وأخّر؟ ومن كان يقصد إذ لم يُفصح؟ ولماذا شارك مقالة فلان أو صورته؟ ولماذا اكتفى بالمشاركة دون تعليق؟ ولماذا كتب ما كتبه الآن تحديداً؟ وما سر التزامن بين النشر وحدث ما؟ وهل كان يلمز بفلان أو فلانة؟ بل سيقرر البعض أنه قد لمز فعلاً فيُسأل "لماذا؟" تحقيقاً لا تعليقاً.

كانت هناك ضوابط وقيود، شرعية أو عقلية أو أخلاقية أو اجتماعية، وبعد التحطيم الممنهج للثوابت، مَن بات يجرؤ على استنكار الانحطاط والتفاهة؟ فحتى التفاهة باتت عصية على التعريف والقياس، طالما أن معيار الرقي نفسه أصبح وهماً في عالم النسبية الفردية.

نحن -العرب والمسلمين- نعيش اليوم موجة السفسطة العدمية ذاتها التي اختبرها الآخرون، وإذا كان الغرب قد سقط في تلك الهوة بعد أن اكتشف سقوط معيارية الكتاب المقدس، فنحن نرمي بأنفسنا في العدم، وما زال الوحي محفوظاً بين أيدينا، ولكن على الورق، كما يبدو ليس إلّا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.