المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد دعدوش Headshot

نحن قوم لا نصدّق حتى نجرب

تم النشر: تم التحديث:

أحاول أن أتخيل ما كان يفكر فيه أجدادنا قبل مائة عام، عندما كان العدو التاريخي (الإنكليز) يعدهم بالحرية والمستقبل المشرق في حال قيامهم بثورة ضد العثمانيين. ربما لم يكونوا يصدقون بعض الصرخات التي تتردد على الهامش محذرة من الخيانة، ولم يتخيلوا أصلاً أن خلافة عمرها ألف وثلاثمائة سنة ستنهار؛ لأنهم لم يصدّقوا.

ربما لم يتخيلوا أيضاً أن جيلهم هو الذي سيشهد نجاح محاولات اليهود المتواصلة منذ ثلاثة آلاف عام لاحتلال فلسطين، ولم يصدقوا من كان يحذرهم من ضياع ثالث الحرمين.

أتخيل أيضاً أن آباءنا لم يكونوا ليصدقوا أن عبد الناصر كان يخدرهم بأحلام الوحدة وفقاعات النهضة، وأن حافظ الأسد (بطل التشرينَين) كان قد قبض ثمن الجولان وتركهم يستشهدون فرادى على جنبي الطريق، وأن السادات سيطير بنفسه إلى تل أبيب ليصافح العدو.
وعندما فتحنا أعيننا على عالم آخر يختلف تماماً عما تعلمناه في المدارس، لم نصدق أن عرفات سيذهب إلى أوسلو وكامب ديفيد، ولم يخطر ببالنا أن عباس سيخلفه في حياته ويصبح شرطياً للاحتلال.

لم نصدق أيضاً أن صدام سيحتل الكويت، وأن ثورة الخميني ستعود للحياة من تحت الرماد على الرغم من حرب السنوات السبع العجاف.

لم نصدق أن الجزائر ستسقط في حمام دم، وأن بلد المليون شهيد دون غيره سيشهد بداية ظاهرة اللحى المزيفة، وأن العشرية السوداء ستنتهي باتفاق صغير دون أي تغيير.

لم نصدق أن قصص "جهاد الصحابة" في أفغانستان ستنتهي باحتراب داخلي، وأن بعض أبطال قندهار سيصبحون أمراء حرب، وأن بعض أقرانهم في مقديشو سيصبحون قراصنة بحر.

كنا نشكو من إهمال الإعلام الغربي لنا، فكان يتجاهلنا وكأننا غير موجودين على خارطة الكوكب، وفجأة انهار برجان في نيويورك، ولم نعد نصدق أننا أصبحنا بؤرة اهتمام العالم، حتى إذا عطس أحدنا في مطار دولي احتشدت قوات الأمن لتشمّته.

وعندما حشد "بوش" قواته على ضفاف الخليج، تطوع المحللون لطمأنتنا، فلم يصدق الكثيرون أن المجتمع الدولي الذي نضجت قوانينه ومبادئه سيحتل بلداً منهكاً ومحاصراً ومنزوع السلاح، وقبل أن نتعافى من صدمة الغزو، لم نصدق أن بغداد الرشيد قد سقطت بالفعل، واحتجنا بضع سنين لنصدق أن أكثر شعوبنا تسامحاً قد انغمس في حمام دم طائفي لا ينتهي.

لم نصدق أن عدواناً إسرائيلياً سيتجدد على غزة كل سنتين، ولم نتخيل أيضاً أن عدواناً خاطفاً سيدمر أحياء من بيروت الجميلة.. باريسنا المدللة التي لم نكد نصدق بعد أنها تعافت من حرب أهلية طاحنة.

لم يخطر ببالنا أن ثورة ما ستحدث، ولم نصدق أن أحداً ما سيصرخ "بن علي هرب"، وحتى عندما هرب لم نصدق أن مبارك سيتنحى، وأن مرشحاً إخوانياً سيحكم، وأن انقلاباً سينهي كل شيء في عصرنا الموسوم بربيع فيسبوك وتويتر.

لم نصدق أن القذافي سيُقتل على أيدينا، وعندما أسكرتنا نشوة النصر لم نصدق أن أبطالاً مثلنا سيقتتلون فيما بينهم.
لم نصدق أيضاً أن صالح سيتنحى باتفاق سياسي يحقن الدماء، وعندما أخذت الديمقراطية بعقولنا لم نصدق أن صالح المنسي سيعود على ظهر إيران بحرب إقليمية.

لم نصدق أن شعباً مقموعاً في "سوريا الأسد" قادر على النهوض، وعندما فعلها لم نصدق أن المظاهرات العابرة ستتواصل، وعندما تواصلت وتوسعت لم نصدق أن "حماة الديار" سيفتحون النار على صدورنا العارية، وعندما فتحوا صدورنا ورؤوسنا لم نصدق أن الجيش سينزل إلى الشوارع بالدبابات والمدرعات، وعندما طحن عظامنا بمجنزراته لم نتخيل أبداً أن طائراته ستدك أسقف منازلنا على من بقي حياً.

وحتى بعد هذا كله، لم نصدق أن مدناً صمدت سبعة آلاف عام ستدمر خلال غفوة من عمرنا القصير بنيران جيشنا، وظللنا نحاجج طويلاً بأن العالم المتحضر لن يترك طاغية مجنوناً يقتلنا بالمجان بينما نرسل له مشاهد الجريمة الموثقة بكاميرات هواتفنا.

استبعدنا كثيراً أن تستمر المجزرة المعلنة ضد مدن مأهولة بالأطفال شهوراً معدودة، وظللنا نحصي عدد مرات استخدام الفيتو بأرقام قياسية لتطول المجزرة سنين بلا نهاية منظورة.
وعندما قررنا الدفاع عن أنفسنا، لم نصدق أن الفيتو سيكون ضد منحنا السلاح أيضاً، وعندما أقسمناً ليلاً ونهاراً على وطنية مطالبنا لم نتخيل أن تنبت القاعدة من تحت أقدامنا، وأن تسحب البساط وتزحلقنا.

فوجئنا بالهراء المتكرر عن انتقال ميليشيا دولة العراق الإسلامية منتهية الصلاحية إلى سوريا، وكتب بعضنا "لماذا تضيعون وقتكم في الجدل حولها؟".

لم نصدق أنها ستصبح "دولة"، وأن زعيمها سيعلن الخلافة، وأن قتالنا سيصبح ضد الخوارج، وأن ثورتنا ستصبح إرهاباً دولياً، وأن الطاغية "الفاقد للشرعية" سيصبح حليفاً للمجتمع الدولي، وأن البرعم الصغير الذي سمي بداعش سيتحول إلى بعبع العالم الأول، وستحتل أخباره صدارة نشرات الكوكب، وستُنسب إليه عمليات وراء البحار، وسيتشكل لمحاربته أكبر تحالف دولي منذ الحرب العالمية الثانية.

لم نصدق أننا سنأكل لحم الحمير جوعاً، وأننا سنموت غرقاً وحرقاً وحصاراً ودفناً تحت أنقاض بيوتنا، لم نصدق أن نفطنا سيصبح أرخص من الماء، لم نصدق أننا سنذرف الدموع على بيريز.

لم نصدق أننا سنقاتل "الإرهاب" بالنيابة عمن كان يوماً ما عدونا، لم نصدق أننا سنحذف القرآن والسيرة من مناهج أطفالنا، لم نصدق أن العربية ستصبح تراثاً لا يفهمه صغارنا، لم نصدق أن ذاكرتنا ستمحى أمام أعيننا كما يمحى وجودنا من أرضنا.

يقال إن العاقل هو من يتعظ بغيره، والأحمق هو الذي يفضل سياسة التجربة والخطأ ويعيد اختراع العجلة؛ لأنه ببساطة لا يصدّق حتى يجرب.

كنا نسخر من جيل النكسة متباهين بانفتاحنا على عصر العولمة، ولم نصدق أن أبناءنا سيسخرون من عدم تصديقنا حتى نجرب، بل حتى نصبح موضع التجربة نفسها.

لا يهمني كثيراً ما سيقوله أبناؤنا عنا.. المهم أن التاريخ سيقدم لهم درساً مهما، وأرجو فقط أن يصدقوه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.