المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد دعدوش Headshot

بين بلال الصحابي وبلال السينمائي

تم النشر: تم التحديث:

وأخيراً أنتج العرب فيلمهم التحريكي العالمي الأول الذي يضاهي بروعته إبداعات "ديزني" و"بيكسار"، ومن استوديوهات تعمل في دبي وليس هوليوود، ولكن هل هذا يكفي لنعتبره إنجازاً نغزو به العالم أخيراً؟ وبعد عقود من الاكتفاء بلعب دور المتلقي المحبط؟

من الناحية الفنية، كان الفيلم مبهراً جداً، وبالعودة إلى صفحة الشركة المنتجة، فإن رسم بعض المشاهد استغرق شهورا ًطويلة، ولا يعيب الفيلم جمالياً -في رأيي- سوى المبالغة في حركة الكاميرا (الافتراضية) إلى درجة متعبة للعين أحياناً.

ومن الناحية التاريخية، لا بأس في الإشارة إلى أن الفيلم حافل بأخطاء كثيرة، ولا يشفع للمنتجين قولهم إن القصة "مقتبسة" عن الواقع وليست مطابقة له، فبعض الأخطاء لا يُبرر، مثل تقديم أبي بكر الصديق في صورة شيخ مسنّ مع أن عمره عندما آمن بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم كان 38 سنة.

على أي حال، لن تكون هذه التدوينة قراءة فنية لفيلم "بلال" من منظور ناقد سينمائي، ولا باحث تاريخي، فما يستحق التركيز في رأيي هو رسالة الفيلم، وربما لا شيء سواها.

يبدو لي أن المنبهرين بالفيلم مستعدون لتبرير كل السقطات بقولهم إن الفيلم موجه للغرب وليس لنا، مع أن موقع الشركة المنتجة يؤكد أن عرضه بدأ في الدول العربية، وأنه سيعرض لاحقاً في الغرب، وليس العكس، والعجيب أنها وعدت بطرح نسخة عربية للفيلم (ربما مدبلجة) لاحقاً، فلماذا يُعرض في الدول العربية الأصل الإنجليزي إذن؟

مع ذلك، حاولت أن أبرمج نفسي أثناء العرض على أن أشاهده بعين المشاهد الغربي الذي قيل إنه هو المخاطَب، لأرى ما الذي يمكن أن يفهمه.

لم أجد في الفيلم كله أياً من الكلمات التالية "الله، محمد، نبي، رسول، وحي، قرآن، إسلام، دين، آخرة، عبادة، صلاة، أذان، مسجد"، والقائمة تطول، وعندما تصفحت موقعَي الفيلم والشركة المنتجة لم أجد أياً من هذه الكلمات أيضاً؛ لذا أتساءل بكل جدية: إذا كان المشاهد الغربي لا يعرف أن بلالاً كان من صحابة محمد، فما الذي سيفهمه من علاقة الفيلم برسالة محمد (وهي أصل القصة كلها شئنا أم أبينا)؟ وإذا كان المشاهد يعرف أن الفيلم يتحدث عن أحد صحابة محمد فلماذا يتم تجاهل -بل وتغطية- كل ما له علاقة بالإسلام عقيدةً وعبادة؟!

بل لماذا تعمد منتجو الفيلم عدم ذكر المصطلحات الإسلامية واكتفوا بالدوران حولها؟ مثل الإشارة إلى النبي بشكل عرضي دون نطق اسمه ولا صفته، وعرض مشهد بناء المسجد النبوي دون ذكر كونه مسجداً، وإبراز كتيبة من الملائكة على خيول بيضاء وهي تؤازر المسلمين في بدر دون أن تُوضّح للمشاهد الغربي حقيقة تلك الكتيبة الغريبة، وعرض إرهاصات صعود بلال إلى سطح المسجد لإعلان الأذان، ثم قطع المشهد قبل أن نسمع صوته، مع أن لحظة الصدح بالأذان كانت ستبدو أعلى لحظات الصعود الدرامي وأكثرها حماساً في الفيلم كله، لكن المنتجين كما يبدو لا يريدون إطلاق أي شعار إسلامي في فيلم يجسد حياة صحابي!

في الحقيقة، لم أشاهد في "بلال السينمائي" سوى ناشط ثوري، يشتعل غضباً وحقداً على النظام الطبقي العنصري مثل مالكوم إكس (في مراحله الأولى)، وينطلق بدافع الانتقام لأمه وأخته مثل ويليام والاس، ويتلقى تدريباً على المهارات القتالية المنضبطة بأخلاق اللاعنف مثل بروس لي.

أما بلال الصحابي فليس لدي أي دليل على أنه كان مشحوناً بهذا الغضب قبل أن يصدح النبي بدعوة الإسلام، ولا يحق لأحد أن يفترض أنه كان قد تربى على تلك العزة، وكأنه من سلالة ملوك الحبشة؛ ليفترض لاحقاً أن بلالاً وجد في "الدعوة الجديدة" فرصة لاستعادة مجده وحريته الشخصية، فضلاً عن تحقيق طموحه الطفولي بأن يكون محارباً.

تجديد لا تشويه

نحتاج فعلاً إلى تجديد في خطاب الدعوة إلى الإسلام وتقديمه للغرب بصورة مقبولة، أما تشويهه وتطويعه ليصبح ثقافة دنيوية فهذا شأن آخر، فالنبي المُلهم صلى الله عليه وسلم كان يخاطب الناس على قدر عقولهم، دون أن يغير مضمون الرسالة، وعندما كان البعض يفاوضه على الأخذ ببعض قيم الإسلام وترك بعض العبادات أو الإخلال بأحد شروط التوحيد كان يرفض بحزم، بل كان القرآن الكريم يقرّع أهل الكتاب الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، ويتوعدهم بالخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة.

ألم تؤكد التجارب الجامحة في القرن العشرين أن التنازلات في تقديم الإسلام بصورة مغايرة أساءت للإسلام نفسه ولم تجذب الآخرين إليه؟ فعلى سبيل المثال، عندما اجتذبت جماعة "أمة الإسلام" السود الأميركيين إلى الإسلام بدوافع المساواة انتهى بها الحال إلى دين آخر، وكذلك الحال مع كل محاولات حشر الإسلام في زوايا الاشتراكية والليبرالية وخرافات الطاقة الشرقية، وهلم جراً.

الإسلام لم يكن مجرد ثورة اجتماعية أو نظام سياسي جديد، بل هو منهج حياة قائم جذرياً على الوحي، وعلى المفاصلة القطعية مع المناهج الشيطانية، فقصة الوجود الإنساني قائمة أساساً من منظور الوحي على الصراع بين بني آدم من جهة وإبليس وجنوده من جهة أخرى، وكل ما ينشأ على جوانب هذا الصراع - السحيق قدماً والمستمر مستقبلاً- هو مجرد فروع للأصل، وربما شوائب تحجب الرؤية وتشتت الذهن.

لن أجنح إلى اتهام منتجي الفيلم بتقديم بلال في صورة علمانية مجحفة، فقد أظهروا بوضوح خروجه من عالم الشرك إلى التوحيد، لكن تحويل قضيته الوجودية كما بدا لي من الإيمان بالإسلام - الذي يلخص الحياة بكونها دار عمل ومعبراً للآخرة دون إخلال بالحقوق - إلى اعتناق ثقافة التحرر من ربق العبودية الدنيوية، هو تشويه للرسالة نفسها، فضلاً عن التاريخ.

وإذا كان هدف الوصول إلى العقلية الغربية من مدخل شعاراتها الدنيوية الأثيرة يبرر لدى البعض هذا التحويل والتشويه، فإني أرى أن إنتاج عشرات الأفلام والكتب والمحاضرات بأبدع الصور لن يغير كثيراً في صورة الإسلام لدى الغرب، فالنبي لم يخاطب الروم والفرس قبل أن يؤسس دولة عادلة ويقدم نموذجاً عملياً للمجتمع الرشيد، أما نحن فنعيش في أسوأ نماذج العالم لكل من الدولة والمجتمع، وعلينا أن نوظف كل جهودنا لنتخلص من الطغيان والتخلف القابعين في بلادنا أولاً قبل أن نهدر وقتنا وجهودنا في محاولة تعديل صورة الإسلام في عين عدونا.

وقد تكون البداية بأن نعيد فهمنا نحن للإسلام، فالرسالة التي آمن بها بلال لم تكن خنوعاً لولي الأمر المتغلب بالقوة، كما لم تكن مجرد رفع لشعارات "الحرية والأخوة والمساواة" التي انتقلت من أدبيات الماسونية كما هي إلى لافتات الثورة الفرنسية.

"بلال الصحابي" كان أكبر من هذا كله، ومن أراد أن يفهمه جيداً فليتأمل في معاني عبارات الأذان الذي كان يردده بأعلى صوته، خمس مرات كل يوم.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.