المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد بوعشرين الأنصاري Headshot

عن أميركا وترامب

تم النشر: تم التحديث:

لماذا نُشخصِن أميركا في ترامب؟ ترامب ليس الأول وليس الآخر.. هو مسيرة طويلة من الهيمنة تجسّدت بأشكال متنوعة، لكنها ظلت ثابتة الهوية في الحيلولة دون نهضة شعوب الأمة ودون تحرر إرادتها.

عن ثوابت السياسات الأميركية

هلّل البعض لقدوم أوباما واستبشر خيراً أن تتغير سياسات أميركا تجاه الشرق الأوسط، فإذا بأوباما يأتي بسلعة لا تختلف في الجوهر عن مثيلاتها السابقة مع آل بوش وآل كلينتون وقبله آل ريجان ومن قبله:
• فيتو ثابت ضد أية إدانة لجرائم الصهاينة بفلسطين المحتلة.
• سياسة الترقب التي تبقي على الحالة السورية دون أي تحوّل ديمقراطي منشود، مع تسليح انتقائي لبعض القوى هناك من الأكراد لمواجهة داعش - داعش هذه التي كانت هي النبتة الإرهابية الجديدة لآل أوباما بعدما ذبلت نبتة القاعدة- في العهد الرئاسي السابق.

• تأكيد المسار الذي خطّه بول بريمر في العراق والسير على خطاه الطائفي، مع غض الطرف عن توغل إيران في المنطقة ليس غباء بل إنعاشاً للحرب الطائفية وإيقاد جذوتها هناك.

وهي سياسات ثابتة شهدناها مع ما وقع في أفغانستان حين تم تسليح الأفغان ضد الروس، ثم تشتيتهم وضرب أفغانستان للقضاء على الزراعة الأميركية لطالبان بالمنطقة.

إنها ثوابت السياسات الأميركية التي تقوم في تقديرنا على أساسَين:
1- دعم لا مشروط للصهاينة وحماية مصالح كيانهم في المنطقة.
2- زرع بذور فوضى لإضعاف كل إرادة وحدوية تحررية عند شعوب المنطقة، وهي بذور قد تتخذ أشكال دعم قوى أو دول على دول أو قوى، أو تتخذ شكل إنبات بذور نشأة كيانات الغلو؛ لتخلط الأوراق ولتبرر التدخل للقضاء على هذه النبتات التي هي صناعة أميركية بامتياز.

شيء من ذاكرة الهيمنة وعرقلة تحرير الأرض والإرادة:
للأسف الذاكرة تخون أحياناً فتُنسي صاحبها ما فعلته أميركا وحلفاؤها؛ لكي لا تقوم لهذه الشعوب قائمة، ولا تلتحق الدول التي تصنعها إرادتها الحرة بركب التنمية والحضارة والديمقراطية.

بالأمس شهدناهم يدعمون الصهاينة ويفتحون لهم الطريق للسطو على الأراضي وللتغطية على القتل والإرهاب الصهيوني، وكانوا خير مدافع عن مصالح الصهاينة، ومنها الدفاع عن مصالحهم الحيوية بالمنطقة..دعموا أنظمة فاشية ومستبدة، وصمتوا على جرائمها تجاه شعوبها، بل وجعلوها وقود معركة ضد كل إرادة حرة قد تعلو صيحاتها هناك.

ألم يتحالفوا مع شاه إيران للتصدي لللثورة ضده، وتآمروا على ثورة المصدق؟ ألم يدعموا نظام صدام في بدايته لمحاصرة إيران الثورة آنذاك؟

وفي المقابل، ألم يوظفوا "نظام الملالي" في إيران لغزو العراق واحتلالها والإجهاز على مقدراتها العسكرية؟ أليس هم مَن شهدوا وشاهدوا القبضات الحديدية والبوليسية لأنظمة العار في المنطقة ولم تتحرك دعواتهم الرسمية باحترام الحقوق والحريات للضغط من أجل حلول الديمقراطية بها؟

"ترامب" صعد مرات عديدة، لكنه كان يختار خطابه الاستراتيجي الثابت والمتغير من حيث مناسبته وشكله.. الفيتو الأميركي من أجل أمن الصهاينة كان ثابتاً.. الفيتو الأميركي من أجل إفشال أي قرار إدانة لجرائم الصهاينة كان ثابتاً.. والتحالف مع كل من يحفظ المصالح الأميركية والصهيونية بالمنطقة كان ثابتاً.

ترامب ليس أميركياً في عتاقة خطابه العنجهي وعدوانية قراراته فقط، ترامب هو أميركي روسي أوروبي صهيوني لا يفهم في السياسة سوى ثبات استراتيجية الهيمنة وعرقلة كل هبّة تحررية وتحريرية.

فلا غرابة إذن أن يكون ضد مقاومة الصهاينة في فلسطين، ومع التحكم القبلي في كل تحوّل ديمقراطي محتمل، لقد فعلها سابقاً حين احتل العراق وصفق له "ثوار فنادق البريستيج"، وقبلوا أن يخط لهم خارطة طريقه لإقرار "ديمقراطيته المنشودة" هناك، فـ"منح" لهم دستوراً كله حقول ألغام طائفية ستنفجر مع الأيام.. وقد انفجرت مع بروز هذا التطاحن الطائفي القاتل، وعوض أن نتحصل على تعددية سياسية وحزبية خلاقة، تحصل العراق على تعددية داعشية مهلِكة، ويفعلها الآن مع "الدستور الروسي الممنوح" لسوريا التي "حررتها" روسيا من مناهضي آل الأسد، وتريد أن تنال ثمن مهمتها استراتيجياً وبغطاء أميركي.

ترامب أيضاً موجود هناك في سوريا بـ"عباءة روسية" وبـ"عمامة فارسية سوداء"، وقد كان من قبل بـ"عمامات بيضاء وسوداء" بالعراق، وكان في فلسطين المحتلة بكل العمائم وبكل العباءات وبكل ربطات أعناق حكام المنطقة.

ترامب هو تتويج للانتصار اللحظي للقوى المضادة لثورات شعوب المنطقة بعد الهبات التي انطلقت في 2011، أتى ليتربع على كرسي قيادة هذه القوى المضادة وليهيمن عليها بحماقاته.

سبل المقاومة والتحرر

هل ترامب تسويق لأطروحة نهاية تاريخ جديدة سرعان ما ستتلاشى كما تلاشت الأطروحة الفوكويامية؟

حتماً ستتلاشى، فترامب قدر من السماء لتسريع عملية فرز تاريخية جارية بين من يريد تركيع شعوب الأمة وبين من يرغب في تحررها وتحرير أراضيها المحتلة.

ولا سبيل إلى ذلك عند كل القوى التحررية المنحدرة من رحم مجتمعات المنطقة العربية والإسلامية إلا بتحري ثلاث سبل:
1- مواصلة النضال السلمي المدني من أجل محاصرة بنية الاستبداد والتقليص من حضورها على مستوى الدولة وإدارة الشأن العام.

2- اعتبار التبعية والتدخل الأجنبي الغاشم سواء كان عسكرياً أو اقتصادياً وسياسياً من الخطوط الحمراء التي لا ينبغي أن تلطخ أجندة النضال التحرري العام، فجدلية حرية الوطن والمواطن عليها أن تظل جدلية تُفضي إلى التحرر لا إلى الاستعباد أو الاستبداد.

3- إشاعة كل فكر تنويري يحفظ الحق في الحياة الكريمة وفي التفكير الحر، ويحرر التراث من أية نزعة تغلبية إكراهية وأية نزعة قدرية مسلّمة بهذا التغلب الإكراهي، إنها عملية تجديدية فكرية شاملة تنفض الغبار عن تراث الأمة التنويري المناهض للإكراه وللتغلب وللقبول بهما.

إن كل القوى التحررية الحية للأمة الآن أمام تحدي ثالوث معيق لكل تحرر ونهضة منشودتين لشعوب هذه الأمة، ثالوث الطغاة والغزاة والغلاة، وهو الثالوث الذي شكَّل العمود الفقري للقوى المضادة لثورة ربيع لم يأفل بعد.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.