المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد بوعشرين الأنصاري Headshot

تركيا والمعسكر المضاد لثورات ربيع الأمة الديمقراطي

تم النشر: تم التحديث:

مَن وراء الانقلاب بتركيا؟ هل فعلاً يمكن أن نصدق اتهامات تركيا لحركة غولان بأنها وراء كل هذا الانقلاب المدبر؟ وهل يمكن أن تتضح لنا صورة ما يدبر لتركيا فقط بالتركيز على هذا الانقلاب الغاشم والفاشل؟ أم ثمة مخطط منظم انطلق مع سلسلة التفجيرات التي عرفتها تركيا هذه السنة 2016؟ كيف يمكن أن نستجمع كل ما يجري لنعمل على تركيب كل فصول جرائم مدبرها الرئيسي المعسكر المضاد لثورات ربيع الأمة الديمقراطي؟

في سنة 2016 هزت سلسلة انفجارات عنيفة ومتتالية (سبع) العاصمة أنقرة وإسطنبول وبعض مدن تركيا، سبعة انفجارات بمعدل انفجار كل شهر تقريباً، من شهر يناير/كانون الثاني إلى يونيو/حزيران، ثم يأتي الانقلاب ليتوّج هذه السلسلة من الانفجارات.

ما تحليل ذلك؟

يبدو في تقديري أن الانقلاب كان جزءاً في خطة أهدافها:

1- زرع الرعب في صفوف المواطنين الأتراك والأجانب والسياح.
2- إحداث شروخات في الجوانب الأمنية وزرع الريبة والشك والارتباك في الصفوف الأمنية.
3- إعطاء صورة للمواطن التركي بأن الدولة بقيادة "العدالة والتنمية" ضعيفة ولا تحمي مواطنيها، وإذا استمرت تلك القيادة فالبلاد آيلة إلى الأسوأ أمنياً واقتصادياً وسياحياً.
4- ظهور الانقلاب بصورة المنقذ من هذه الوضعية التي ستظهر أنها مترهلة وتسلّمه زمام الحكم لإنقاذ البلاد وإعادتها إلى السكة الصحيحة.

فمَن يا ترى قد يكون وراء هذا المخطط المحبوك؟

لا أعتقد أن الاتهامات الموجهة لحركة فتح الله غولن بالضلوع وراء هذا الانقلاب اتهامات على قدر كبير من الصحة، وإن صحت، فيمكن اعتبار أن هذه الحركة قد تم توظيفها ضمن هذا المخطط لتقوم بدورها فيه.

في تقديري فهذه الخطة الجهنمية أسهم فيها أكثر من طرف خارجي، وجميعهم ينتمون إلى المعسكر المضاد للثورات، وأنا لا أستبعد أن ثمة "غرفة عمليات دولية"، على حد تعبير الدكتور منصف المرزوقي الرئيس التونسي السابق، لهذا المعسكر المضاد، تشتغل بشكل متناسق لإفشال أي إنجاز لثورات ربيع الأمة الديمقراطي، وهذه العملية الكبرى تسير على خطوات متنوعة بحسب كل منطقة:

1- في المناطق التي تمت الإطاحة فيها ببعض الديكتاتوريات تم اتباع سيناريو تفتيت الصف الداخلي ودعم كل قوى مناهضة لتوحيد هذا الصف الداخلي.
• نموذج ليبيا مع دعم قوى حفتر وقد انفضح ذلك مع مقتل جنود فرنسيين ضمن قوات حفتر.

• نموذج اليمن مع بروز الحوثيين في آخر لحظات التوافق على مخرجات حوار وطني استمر لمدة طويلة وأسفر على نتائج واعدة.

• نموذج مصر مع "الدوباج القوي" الذي تلقته نخب سياسية وثقافية وإعلامية لإفشال مسار الانتخابات وصعود مرسي للرئاسة ديمقراطياً، وتوظيف الجيش وإظهاره منقذاً لحالة الفوضى المفتعلة بهذا "الدوباج القوي" للتدخل، والحسم بالإطاحة برئيس منتخب وتسلم الجيش مقاليد الحكم وبعدها انتخابات شكلية تأتي بقائد عسكري سابق للرئاسة، مع فريقه السياسي والإعلامي المناهض لعودة شرعية الرئيس المنتخب مرسي والبقية معروفة... مجزرتا رابعة والنهضة وميادين اعتصام أخرى.. اعتقالات بالآلاف وأحكام ظالمة بالسجن والإعدام في حق قيادات الصف الأول من مناهضي الانقلاب، وفي حق كل المناهضين له من أبناء الشعب المصري.

2- في المناطق التي لم يكتمل فيها ربيعها الثوري، تم اتباع سيناريو إحداث فتنة قتالية وفوضوية، وأبرز مثال هو المثال السوري، الذي اقتضى سيناريو المعسكر المضاد لربيع سوريا قتله في المهد بالصمت على جرائم بشار الذي قصف التظاهرات السلمية المناهضة لحكمه بداية، ثم بالسماح لقوى خارجية بالتدخل سواء لدعم نظام بشار (إيران وحزب الله في البداية ثم روسيا بعدها)، وبالسماح أيضاً لقوى خارجية لدعم المعارضة وتسليحها، ثم بترك الفرصة مواتية لتغلغل ما سمي بداعش، الذي كان هو العنوان الرئيسي لهذه الفوضى المراد زرعها في سوريا، فسوريا ولو كان المنتظم الدولي ضد "بشارها"، إلا أن عدم اطمئنان هذا المنتظم الدولي بقيادة الأمريكان والروس والصهاينة والأوروبيين على البديل الذي سيأتي بعد الإطاحة به ، وعدم الاطمئنان هذا جعل هذه الدول الكبرى تكتفي بتنزيل سيناريو بقاء الفوضى والحيلولة دون الحسم العسكري لصالح أي طرف.

3- في المناطق التي لم تعرف هزات فتنوية وفوضوية وأطاحت شعوبها بحكامها المستبدين، كان تركيز المعسكر المضاد على تنزيل سيناريو عرقلة مسيرة البناء الديمقراطي وجعله يسير ببطء، مع العمل على قضم أجنحة القوى الإصلاحية والتشويش على إسهامها في البناء الديمقراطي بدعم غير مباشر لقوى أخرى محافظة، وأبرز مثال عندنا هو تونس، إذ مع اكتساح "حركة النهضة والمؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات" للمجلس التأسيسي وتجربة الترويكا، انطلق سيناريو التقويض والقضم إلى غاية الانتخابات الرئاسية التي صعد فيها رمز من رموز النظام القديم، واحتلال حركة النهضة للمرتبة الثانية في الانتخابات مع عدم اكتساحها الانتخابي كما في انتخابات المجلس التأسيسي وتراجع حزب المؤتمر والتكتل، (تولى رئاسة البرلمان التونسي في عهد بن علي، وشغل مناصب وزارية في عهد بورقيبة)، وقبول النهضة بحكومة شراكة وطنية برئاسة حزب نداء تونس.

4- في المناطق التي دعمت دولها هذا الربيع وناهضت رموز المعسكر المضاد، وعلى رأسها تركيا، يجري الآن تنزيل سيناريو إضعاف الدول المنحازة لمنجزات ثورات الربيع الديمقراطي -وعلى رأسها تركيا- في عملية ممنهجة لإضعافها داخلياً وترهيبها بعمليات تفجيرية، تَسلسُلُها يثبت أنها منظمة، ومُدبرها جهة واحدة وهي هذا المعسكر المضاد.

إن مقتبل الأيام سيكشف لنا بوضوح تفاصيل هذا المخطط العام، يكفي فقط أن نستحضر الذاكرة وآلية ربط الوقائع لتتبين لنا كل هذه التفاصيل، ولربما بدأت تظهر المكونات القيادية الأساسية لهذا المعسكر المضاد، إذ هو متكون من صنفين في مكوناته:

1- مكونات قيادية أساسية وقارة وهي الدول التي تدعم خططه مادياً ولوجستياً ومن حيث العلاقات.

2- مكونات تنتفع موضوعياً ببعض خطط هذا المعسكر من حيث المصالح التي تجنيها سواء من حيث توسيع نفوذها ومجالها الحيوي كدول، أو من حيث استفادة حكامها من الدعم الذي يتلقاه من هذا المعسكر لتثبيت وجودهم وأركان حكمهم قهراً وقوة وتمكيناً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.