المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد بوعشرين الأنصاري Headshot

في نقض مفهوم الضرورة المؤبدة لضرر الاستبداد

تم النشر: تم التحديث:

قد تعارض قرارًا معينًا خارج موازنات واقعك المعاش، وقد تتضامن مع المظلوم ضد الظالم ويسيل مدادك بمقالات ومقالات تدافع عن الشرعية هناك وتناهض فيها الانقلاب هناك والقمع الوحشي ضد المتظاهرين والاعتقالات السياسية هناك، بل وقد تعتبر أن اجتهادات أطراف سياسية معينة هناك قد انحرفت عن الصواب وانحازت للانقلابيين هناك واشتغلت بمنطق حربائي يقبل بالظالم ويسكت عن جرائمه البشعة، بل وقد تتطرف في وسمها بالخائنة.. لكن بمجرد أن ينتقل بك حضورك المسافر هنا ببلادك، حتى تقبل بشرعية منعدمة تقوم على دستور الغلبة وتدافع عنها بشراسة، وتقبل بالشراكة مع معسكر الاستبداد والغلبة والمفسدين، وتقوم بإعمال منطق الموازانات الوقوعية الذي أفضى في منتهاه بمن سميتهم بالخونة والراكنين للظلم إلى القبول بانقلاب "تجنبًا للفتنة وحقنًا للدماء وجلبًا للاستقرار" حسب منطقهم..

نفس المنطق يشتغل في مصر وفي سوريا وفي الجزائر وفي المغرب وفي فلسطين مع جماعة أوسلو، وحتى في لحظات تاريخية مع بني أمية وبني العباس بل وحتى في معركة صفين والجمل وكربلاء.. فتنتج عنه مواقف مخزية متناقضة حربائية مبررة للظلم، مصوغة لتأبيدها، قاتلة لأمل تحرير إرادة الأمة والأرض، معلنة نهاية التاريخ باسم الضرورة التي لا ترفع أبدًا، وتكون مسكنًا إلى الأبد لكل انتفاضة عليها وعلى من كانوا سببًا في وجودها، فموقفك المحلي يعكس منطقك التحليلي للوقائع ومجرياتها..

المشكل يا سادة في هذا المنطق وليس في الموقف هناك، هذا المنطق الذي يغتال كل إرادة للتغيير المنشود اليوم أو غدًا أو بعد غد، هذا المنطق الذي يوازن بين الضرر الواقع والضرر المتوقع بمعيار ذاتي لا موضوعي، هذا المنطق الذي تحل بمقتضاه حياة الأمة كلها في الحياة البيولوجية الخاصة بصاحبه.. فالخوف من مستحقات الموقف تحل محله "الحكمة" المفترى عليها، ورغبة الاستقرار الذاتي بدون ثمن لضريبة مجابهة الشأن العام تحل محلها مقولة "الإصلاح في إطار الاستقرار"، وحب الرياسة والجاه والتهرب من مجابهة الذات تحل محلها "الإصرار على السير على طريق الإصلاح رغم كيد الكائدين وتشويش المعرقلين"، وكسب رضا الحاكمين تحل محلها الشراكة معهم وتبجيل أعمالهم والسكوت على زلاتهم وتجنب مصادماتهم، وتفادي إرباك الرغبة الذاتية في الاستقرار/الركود يحل محله تكميم أفواه كل منتقد واعتباره مشوشًا أو حاقدًا أو معرقلًا..

الحل في انتفاضة فكرية تحرر مقولة الاضطرار من توظيف المتقاعسين والخائفين والحربائيين والغارقين في ذواتهم الحزبية ثم بعدها الشخصية، وترجع الضرورة إلى مفهومها الأصلي لتكون مؤقتة لا دائمة، ويرجع واجب رفعها ديدن كل مصلح عوض التماس الأعذار لاستمرار عدم رفعها، ويتضح الخطاب في السعي نحو رفعها لا أن يتضبب أو يختفي وراء إقرار بالحق على مشروعية باطل..

الاستبداد حالة إكراهية مؤقتة، ورفعه من أوجب الواجبات لأنه معرقل للتحرير، مؤسس للتواكل وللعبودية وبالتالي للتخلف، والاستبداد هو مصادرة حق الأمة والشعب في تقرير مصائرهما، وهو الإكراه بعينه الذي نبذه الشرع والعقل، وبالإكراه لا تحيا حياة كريمة ولا عبادة لله سليمة، وهو من أوجب الضرورات التي يجب رفعها بالكفاح السلمي المتدرج نحو التحرير وليس المتدرج نحو التبرير لأنه مؤسس لكل الضرورات الأخرى في الحياة..

وهو في حالتنا المغربية ليس مفهومًا فضفاضًا للاستهلاك الإعلامي وللتطهر به على الآخر، فاستخدامه بشكل تعويمي وفضفاض هو من مخلفات هذا المنطق الحربائي الوقوعي، الاستبداد له جوهر وأوصاف أما جوهره فيمثله دستور الملكية التنفيذية وأما أوصافه فتمثلها الانتخابات التي تعاكس الإرادة الشعبية وتضايقها لأنها انتخابات متحكم قبليا في نتائجها فهي تتم بإشراف غير مستقل، ويقصى فيها عدد كثير من المواطنين المؤهلين ترشيحًا وانتخابًا، بل وتنفي هذه الإرادة الشعبية باسم تمثيلها لأن البرلمان الذي ينتج عنها هو بصلاحيات تشريعية ورقابية غير مكتملة الأركان في ظل دستور الملكية التنفيذية، وتمثله الحكومة التي هي تأتي لتخدم سلطة موجودة خارج إطار الإرادة الشعبية لا لتمارس السلطة التي تخولها لها هذه الإرادة الشعبية، ويمثله القضاء غير المستقل وغير السامي..

هذا هو مناط مفهوم الاستبداد في حالتنا المغربية وتحقيق مناط الحكم برفعه هو النضال السلمي التدرجي نحو التحرير وليس نحو التبرير..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.