المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد بوعشرين الأنصاري Headshot

عن مفهوم المجتمع

تم النشر: تم التحديث:

ما هو المجتمع؟ هل هو مجرد تجمع بشري في مكان ولحظة معينين؟ وما هي العناصر التأسيسية لوجود مجتمع؟ وهل هذه العناصر التأسيسية تمنعه من استيعاب التحولات المحيطة به في كل المجالات؟

ثمة في تقديرنا حاجة إلى تجلية مفهوم المجتمع لاعتبارين اثنين يمكن إجمالهما في التالي:

1- اعتبار النقاش الدائر باستمرار حول الهوية الجامعة للمجتمع، وهذا النقاش قد يتخذ صبغة ضمنية بالإحالة إلى مطالب إعادة الاعتبار لإثنية أو للغة معينتين، وقد يكون صريحاً بالحديث عن أصول هذا المجتمع العرقية والإثنية واللغوية.

2- اعتبار ضرورة إيجاد مرجعية لهذا النقاش، وهذه المرجعية تقتضي التواضع على العناصر التأسيسية لوجود أي مجتمع، وذلك تفادياً للاستغراق في هذا النقاش الضمني الذي يتيه في التفاصيل المبنية على ردود الأقوال والأفعال.

سنحاول تناول مفهوم المجتمع من خلال زوايا ثلاث:
أولها: زاوية المفهوم.
ثانيها: زاوية العناصر التأسيسية لوجود المجتمع.
ثالثها: زاوية المتغير في مفهوم المجتمع.

أولاً: في المفهوم

وجب الإشارة بدءاً إلى أن مفهوم المجتمع مرتبط أساس بخاصية التقاسم المتبادل لدى أفراده وجماعاته لمجموعة من العلاقات والقيم والمصالح والحاجيات والكفاءات والقدرات والمواهب من شتى الأنواع والمجالات فيما بينهم، ذلك أن هذه الخاصية هي لازمة له على اعتبار أن أي اجتماع بشري سواء كان لحظياً أو ممتداً عبر الزمن بحاجة مستمرة لها لانعقاده.

وعلى أساس هذه الخاصية الفريدة، يمكن اعتبار المجتمع بمثابة ذلك الاجتماع البشري الممتد عبر الزمن تاريخاً وحاضراً ومستقبلاً، والمتكون من الأفراد والجماعات التي تجمعهم خاصية التقاسم المتبادل للعلاقات والقيم والمصالح والحاجيات والكفاءات والمواهب من شتى الأنواع والمجالات، وتحكمهم أنساق تاريخية وثقافية وجغرافية وإثنية ولغوية وعرفية حصل بينها تاريخياً تناغم كان أساساً لتميز هذا المجتمع على مستوى هويته الجامعة على باقي المجتمعات الأخرى، المتميزة أيضاً بهويات مختلفة عنه ومتناغمة من حيث أنساقها التاريخية والثقافية والجغرافية والإثنية واللغوية والعرفية.

ثانياً: في العناصر التأسيسية لوجود مجتمع
بناء على مفهوم المجتمع الذي صدرناه، يتبين أنه ثمة عناصر تأسيسية لكي ينعقد وجود مجتمع بالفعل، وهذه العناصر يمكن إجمالها في التالي:

عنصر التاريخ:
إن وجود المجتمع لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة لمسار زمني تاريخي تعاقبت فيه الوقائع وتراكمت عبره الأفكار والسلوكات والطبائع والعقائد، فأثرت في تشكله وفي صياغة شخصيته العامة، ذلك أن الفصل في حلقة الزمن بين الماضي والحاضر والمستقبل هو فصل منهجي نتوخى منه فقط موقعة الموضوع فيه، فالتاريخ هو عبارة عن حلقات متواصلة يؤثر بعضها على البعض الآخر، فيؤثر ماضيها على حاضرها وحاضرها على مستقبلها، وبالتالي لا يمكن تصور وجود مجتمع بدون تاريخ له يضرب أطنابه في الماضي، ويكون له تأثير موضوعي على حاضره، وتسهم وقائعه في بناء الطبائع الفكرية والعقائدية والسلوكية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والتنظيمية التي تتسم بها شخصيته العامة، وتتميز بها عن غيره هويته الجامعة.

عنصر القيم:
يتميز المجتمع بنظام القيم التي تحكم علاقاته البينية ومع المجتمعات الأخرى، ونقصد بنظام القيم المحددات المعيارية التي توجه السلوك الفردي والمجتمعي على مستوى التواضع على معايير القبح والجمال، الخير والشر، الحق والباطل، العدل والظلم.. وهذا النظام القيمي هو محور تميز المجتمع في هويته الجامعة على باقي المجتمعات الأخرى، وهو نتاج استقرار المجتمع على مرجعية معيارية واعتقادية عليا أسست لهذا النظام القيمي بناء على نظرة عامة للوجود والحياة والإنسان والغاية من هذا الوجود.

عنصر الهويات الخاصة:
إن وجود مرجعية معيارية وعقائدية عليا لا يلغي وجود هويات عقائدية خاصة، وهي بقدر خصوصياتها، بقدر اندماجها في النظام القيمي العام الذي يحكم العلاقات العامة بناء على المعايير العامة التي استقر عليها المجتمع تاريخياً، واعتبار هذه الهويات الخاصة عنصراً تأسيسياً لوجود مجتمع يعني أن وجوده -أي المجتمع- ينتفي بغيابها أو تغييبها أو إلغائها أو تهميشها، ونقصد بالهويات الخاصة تلك الطقوس والتقاليد والأعراف والعقائد، خاصة التي تتميز بعض الجماعات البشرية المشكلة لهذا المجتمع، والتي لا تمنعها من الاندماج بالنظام القيمي العام والقبول به على مستوى علاقاتها العامة، أما إذا أضحت تنازعاً في النظام القيمي العام، فإنها تتحول من عنصر تأسيسي إلى عنصر يلغي ذاته بذاته تلقائياً.

عنصر التجديد والاستيعاب:
إن وجود مجتمع هو حصيلة تراكم وقائع وتوارث طبائع وعادات وأفكار وعقائد عامة، وبالتالي فحاضر المجتمع يتأثر بماضيه ويؤثر في مستقبله، ولكي يحصل هذا التفاعل البنَّاء بين الماضي والحاضر والمستقبل، كان لعنصر الاستيعاب والتجديد مكانة تأسيسية أيضاً في تشكل المجتمع وفي وجوده، فالاستيعاب يعني الانفتاح على متغيرات محيط المجتمع، والقدرة على مسايرتها بالاستفادة من كل ما ينفع تطوير أداء المجتمع في تواصله مع محيطه، والنهل من الخبرة الإنسانية عموماً في مجالات التنظيم والسياسة والعلم والاقتصاد، دون أن يؤثر في العناصر التأسيسية التي هي محور تميزه في شخصيته العامة، والتجديد يعني نفض الغبار عن كل ما قد يكون دخيلاً على هذه العناصر التأسيسية قصد تنقيته منها. وهذا الدخيل قد يكون موروثاً تقليدياً خاصاً، أو قيماً غريبة أجنبية وشاذة عن النظام القيمي العام، أو نزعة محافظة تحرص على رفض كل استيعاب للمتغيرات والتحولات، فالتجديد إذاً هو العمل المستمر على إبقاء العناصر التأسيسية هي المحددة للشخصية العامة للمجتمع.

عنصر المنظومة اللغوية:
ونقصد بالمنظومة اللغوية ذلك النظام اللغوي التداولي الذي به يتواصل أفراد هذا المجتمع وجماعاته، وهذه المنظومة اللغوية قد تضم لغات متعددة تتسم بصفتين موضوعيتين أساسيتين وصفة ذاتية:

أما الصفتان الموضوعيتان فنجملهما في التالي:
1- صفة التداول العام، بحيث يستطيع عامة أفراد المجتمع وجماعاته أو أغلبيتهما الساحقة أن يتواصلوا بها.

2- صفة البناء اللغوي المتين، بحيث تمتلك مقومات اللغة من حيث القواعد اللغوية العامة المبنية عليها (النحو والصرف...).

وأما الصفة الذاتية فنقصد بها أن تكون هذه اللغة معبرة عن قيم وسلوكات وأعراف وطبائع المجتمع، ذلك أننا لا يمكن في تقديرنا فصل لغة قوم عن قيمهم وسلوكاتهم وأعرافهم وأخلاقياتهم، فهي تعبر عن مفاهيم أصيلة لمجتمع معين، وعن قيم متجذرة في هذا المجتمع، ولها القدرة على الإبداع الاصطلاحي والمفاهيمي الذاتي أو استيعاب مصطلحات ضمن منظومتها دون أن يضر ذلك بالنظام القيمي والمفاهيمي العام للمجتمع.

على سبيل الختام:
لقد حاولنا أن نبسّط على وجه الإجمال مفهوم المجتمع، واعتبرناه بمثابة ذلك الاجتماع البشري الممتد عبر الزمن تاريخاً وحاضراً ومستقبلاً، والمتكون من الأفراد والجماعات التي تجمعهم خاصية التقاسم المتبادل للعلاقات والقيم والمصالح والحاجيات والكفاءات والمواهب من شتى الأنواع والمجالات، وتحكمهم أنساق تاريخية وثقافية وجغرافية وإثنية ولغوية وعرفية حصل بينها تاريخياً تناغم كان أساساً لتميز هذا المجتمع على مستوى هويته الجامعة على باقي المجتمعات الأخرى، المتميزة أيضاً بهويات مختلفة عنه ومتناغمة من حيث أنساقها التاريخية والثقافية والجغرافية والإثنية واللغوية والعرفية، وبغية التقاط ما يجعله متميزاً من حيث شخصيته العامة وهويته الجامعة، وقد عملنا على تعداد أهم العناصر التأسيسية له والمتمثلة في عناصر التاريخ، والقيم، والهويات الخاصة والمنظومة اللغوية، ثم التجديد والاستيعاب.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.