المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Ahmed Behiry Headshot

أنا أشك.. إذن أنا موجود

تم النشر: تم التحديث:

الواحد لما يقرأ في التاريخ.. دايماً من أكثر المسائل المدهشة اللي كانت بتحيرني .. النقلة الحضارية الإعجازية اللي حصلت للمسلمين.. قبائل من البدو على هامش التاريخ.. فجأة.. في خلال ٣٠ سنة بس.. عملوا امبراطورية أصبحت مركز العالم الحضاري..
ازاي حصل ده؟
حصل بأن بعث الله فيهم رسولاً.. و معه معجزة فريدة من نوعها.. لم يرها التاريخ من قبل..
معجزة.. اسمها "القرآن"...
معجزة.. تتمثل في خطاب رباني..
طب ايه الغريب أو الفريد في ده؟.. ماكانتش دي أول مرة في التاريخ يخاطب فيها الله البشر..!
صحيح..
لكن المرة دي كان فيه حاجة جديدة.. ان الخطاب المرة دي كان معتمد تماماً.. على إيقاظ العقل .. إحياء العقل..
دايماً بيبهرني أسلوب القرآن لما يطرح عليك أسئلة تستفز و تحفز العقل.. و يسيبك تفكر فيها.. و مايديكش إجابة..

{ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (31) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (32) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (34) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ (37) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38) أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (39) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (40) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (41) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (42)}
أسلوب عجيب.. اللي بيفهم اللغة و كيفية تفاعلها مع العقل و الروح.. يستشعر عظمة الأسلوب ده..
فتخيل أمة.. بتربى على يد نبيها.. و بين يديه كلام ربنا.. اللي بيخاطب العقل بالشكل ده..
و يحكيلهم القرآن عن رحلة جدهم.. إبراهيم.. أبو الأنبياء.. عن رحلته من "التساؤل" و "الشك".. إلى اليقين..
و يقول لهم النبي"ص" : "نحن أحق بالشك من إبراهيم"..
الشك الإيجابي.. اللي يكون بداية طريق يوصل لليقين..
الشك اللي يدفعك للتفكر و التساءل و البحث عن الحقيقة حتى تصل إليها..
مش الشك اللي يخليك تركن اليه و تعيش معاه في الفراغ.. و تقول انا باشك في كل حاجة.. و هافضل كده شاكك و بس..
الشك.. و التساءل .. للبحث عن الحق.. أصبح محل تنافس.. في الأمة الي لسة بتتولد دي.. و النبي"ص" بيقولهم "نحن {أحق} بالشك من إبراهيم"..
نحن أحق بإيقاظ العقل.. و البحث المستمر عن الحقيقة..عشان كده.. ماكانش غريب أبداً.. تحصل النقلة العجيبة دي للأمة دي.. اللي أيقظت عقولها.. فأنارت بها العالم..
***
طيب.. و النهاردة؟
ازيكم كده؟ ☺
دارت الأيام.. و انحدرت الأمة الإسلامية.. و سقطت في فخ الغثائية..
أمة.. لغت عقلها..و اتبعت ناس بيفكروا بالنيابة عنها..
بقى كل شئ "بالتلقين".. مجموعة من الناس.. بتلقن الشعوب.. ايه اللي المفروض يعتقدوه.. و يعملوه.. و الشعوب سايبين نفسهم تماماً للناس دول يلعبوا بيهم..
قبل الثورة.. كانت المشكلة موجودة بس أبسط بكتير من دلوقت.. كان التلقين أحياناً بيتم بالشكل ده: "شابلين"
و أغلب الوقت.. بالشكل ده "المتزوجون..
لكن بعد الثورة.. حصل فيضان إعلامي.. الكل بقى يقدر يتكلم من خلال الإعلام أو الانترنت..
فبقى التلقين كده: "شابلين"
و النتيجة.. ان الوضع حالياً في مص عبارة عن مجموعة من الناس مسلط عليهم الأضواء.. بيلقنوا مجموعة من مريديهم و بيلعبوا بيهم الكورة.. و كترت الفرق.. و كثرت الصدامات.. و كثر اللغط..
و لو فضل الوضع بالشكل ده.. المستقبل.. مظلم..
عشان كده.. بقى فيه احتياج أكتر من أي وقت قبل كده.. اننا نتعلم ازاي نحرر عقولنا.. و نشغلها.. و نفهم اللي بنسمعه و نقراه كويس.. و {نحمي} عقولنا من ان حد يضللنا أو يلعب بينا..
هانبدأ مع بعض رحلة مع العقل.. و المنطق.. هانتعلم فيها:
- ازاي نتعرف على المغالطات المنطقية في الكلام اللي بنسمعه أو بنقرأه
- ازاي نفهم و نقيم الكلام اللي بنسمعه من حيث منطقيته..
- و ازاي نتجنب المغالطات المنطقية حتى في طريقة تفكيرنا احنا

.. كل حلقة هانشوف فيها نوع من أنواع المغالطات دي.. و نتمرن كويس على كيفية التعرف عليه لما نشوفه في أي سياق.. عشان نقدر نقيم الكلام اللي بنسمعه .. صحيح.. ولا حد بيحاول يضحك علينا بيه.. عامداً.. أو بدون قصد..
***
طيب البداية تكون منين؟
البداية تكون من السؤال.. تساءل.. ماتاخدش كل الي بتسمعه على الجاهز..
كان عمر بن الخطاب يحب ابن عباس و يدنيه و يقربه و يشاوره.. فقال المهاجرون لعمر: ألا تدعو أبناءنا كما تدعو ابن عباس؟
ألا تقربهم كما تقربه؟
فقال عمر: قال: ذاكم فتى الكهول؛ إن له لساناً سئولاً، وقلباً عقولاً»
لساناً سئولاً.. يسأل و يستفسر عن كل شئ.. و قلباً عقولاً.. يعقل و يعي إجابة السؤال..
و عشان القلب يعي الإجابة.. محتاج {تسمع}..
لأنك لو ما سمعتش كويس.. هاتعيش عمرك بتكلم نفسك.. و مش شايف غير نفسك.. و مش شايف الحقيقة من حواليك..
و النتيجة النهائية: سبايدر.. ابو حامد.. القذافي..
تتوهم أشياء.. و تصدقها.. لأنك مش سامع آراء الناس من حواليك عشان تعرف ان دي أوهام في خيالك انت بس..
بتحب تتكلم و تعرف {كل} الناس {رأيك}.. و مش عاوز تسمع آراءهم..
مع انك مش لازم دايماً تقول رأيك.. مادام مش هايفيد الشخص اللي قدامك..
يا ترى هل لما بتقول رأيك.. بتقوله عشان تفيد الشخص اللي بتكلمه؟.. أو عشان تعرف رأيه فتستفيد؟
ولا عشان تقو انك موجود و لك رأي بس؟.. ولا عشان تقول انك {مختلف} و خلاص؟.. ولا عشان تكيد العوازل؟
قاعدة ذهبية:.. اللي بيسمع أكتر.. بيستفيد أكتر.. بيفهم أكتر.. رؤيته بتبقى أوسع.. مداركه بتبقى أوسع..
و اللي بيسمع أكتر.. بيتعلم التواضع.. كل ما كان حبك للكلام أكتر.. اعرف ان فيه جواك كبر.. و الكبر أحد الظلمات اللي بتحجب الحقيقة عن عقل الإنسان..
الغبي.. لا يرى إلا رأيه.. و العاقل.. الحكيم.. {يستمع} إلى المشورة.. فيزداد حكمة.. و يزداد تواضعاً..
و لازم أأكد جداً على مسألة التواضع دي.. و عدم الغرور بالرأي و العقل..
عندنا ناس كتير بتفكر و تشغل عقلها.. لكن افتقارهم إلى "التواضع".. بيضيعهم..
قاعدة ذهبية أخرى: لو لغيت عقلك.. غيرك هايلعب بيك.. و لو اغتريت بعقلك.. عقلك هايلعب بيك..
شغل عقلك كويس جداً.. بس تواضع لله.. و اعرف قد ايه عقلك مهما بلغ.. فهو قاصر.. محدود.. سهل جداً تلعب بيه أهواء النفس..

الإنسان {العاقل}... اللي بيحترم عقله.. اللي بيفهم..:
- بيهتم بانه يستمع لآراء الآخرين .. أكتر من انه يسمعهم آراءه
- متواضع.. بيحترم الآخرين و بيحترم آراءهم
- مؤمن انه دايماً محتاج يسمع لغيره و يتعلم منه..
- بيعرف يقول "ما اعرفش".. و الأهم من ده.. بيعرف انه {مايعرفش}.. لما يكون {ما يعرفش}
- ماعندوش مانع أبداً يراجع أفكاره و آراءه و ينقدها و يقر بالخطأ لو لقاه..
- شعاره : رأيي صواب يحتمل الخطأ.. و رأي غيري خطأ.. يحتمل الصواب.. مافيش صواب ١٠٠٪.. ولا خطأ ١٠٠٪.. لأننا نجتهد.. ولا يوحى الينا..

الصفات دي.. هي مفتاح النور.. اللي بيه ينور العقل..
***
امتحان مفاجئ.. مين في الناس دول :
١- بيحب يسمع آرء الآخرين {مستمع جيد}
٢- مابيسمعش غير صوت نفسه
٣- لا كده ولا كده

***
الآراء المتعارضة:
اتكلمنا عن اننا عشان نشوف الحقيقة.. عشان نفهم.. محتاجين نسأل.. و نسمع..
لما نبدأ نسمع الآخرين.. طبيعي جداً اننا هانسمع آراء مختلفة عن آراءنا.. بل و آراء متعارضة مع بعضها..
هل ده شئ كويس؟ ازاي تعامل مع ده؟
الآراء المتعارضة ممكن تلخبطنا شوية أحياناً..
لكن عاوزين تعرفوا ايه البديل؟.. لو انغلقنا على نفسنا و ماسمعناش غير نفسنا بس؟
تعالوا احكيلكم عن "وحيد"... (البحث عن فضيحة)
وحيد.. كان متأكد انه صح.. ماكانش محتاج يقرا أو يسمع وجهات نظر تانية مختلفة عنه.. هو متأكد ان رؤيته للأمور مابتخيبش أبداً..
وحيد كان عضو في جمعية "الأرض المسطحة".. و بصفته عضو.. كان دايماً حريص على انه يبحث و يدور على الأدلة اللي تثبت ان اللي بيقولوا ان الأرض كروية.. غلطانين.. و مابيفهموش.. و مضحوك عليهم..
حياته كلها.. محورها.. البحث عن أخطاء أصحاب الآراء الأخرى.. لأنه عارف انه صح طبعا.. و كان بيصعب عليه جداً المساكين المضحوك عليهم.. مش قادر يتصور ازاي قادرين يصدقوا {وهم} ان الأرض كروية!.. عشان كده كان هدفه في الحياة هو ومساعدة الآخرين على {التحرر} من الوهم ده.. من خلال توزيع كتيبات بتشرح ليه فكرة انالأرض كروية {غلط}.. و من خلال الكتابة في الموضوع ده على النت.. و نشر مواد تعليمية بتوضح ليه فكرة ان الأرض كروية {غلط}..
وحيد كان مثله الأعلى في الحياة.. د. سطوحي .. أحد أبرز {العلماء} المتخصصين في "سطحية الأرض".. و أحد مؤسسي جمعية "الأرض المسطحة"..
كان معجب جداً بأسلوبه في شرح فكرة ان ازاي المجتمع مضحوك عليه بفكرة كروية الأرض.. و ايه الدوافع النفسية و الأسباب الاجتماعية اللي تخلي ناس يوهموا نفسهم ان الأرض كروية.. بالرغم من انه واضح ي الشمس.. انها مسطحة..!
وحيد كان بيحس بالامتنان الشديد للدكتور سطوحي... لأنه أنقذه من وهم كروية الأرض.. و خلاه قادر على رؤية كل شئ في الحياة بوضوح..
وحيد. كان بيحمد ربنا على نعمة.. ان فيه في حياته حد يثق فيه زي د. سطوحي.. يفسرله و يوضحله كل شئ في الحياة.. و يتتلمذ على ايديه و يتعلم منه..

ايه اللي حاصل هنا بالظبط؟
وحيد.. ادى ودانه و عقله.. لشخص واحد بس.. و وجهة نظر واحدة بس.. هم اللي {بيحركوه}..
ما سمعش بنفسه كل وجهات النظر المختلفة الأخرى.. عشان الصورة تتضح قدامه و يقيم بنفسه..
اكتفى بوجهة نظر واحدة نذر نفسه و عمره ليها.. وجهة نظر بتقول ان الأرض مسطحة..
عشان كده الرأي ده كان شكله مقنع و منطقي جداً بالنسبة له.. أي رأي ووجهة نظر بتبدو منطقية مادام مش شايف غيرها..

القصة اللي حكيتها دي قصة رمزية.. لكن للعلم.. الجمعية دي موجودة فعلا.. Flat Earth Society.. و ناس كتير جداً مؤمنين بالفكرة دي..في العالم كله.. تقدروا تبحثوا على النت عن الجمعية و تشوفوا موقعهم و النقاشات اللي في منتدياتهم..
و لو عندك مشكلة في الانجليزي.. ده مثال بالعربي : (فيديو)

دي ببساطة نتيجة الانغلاق على الرأي الواحد..
طب ايه البديل؟
الاستماع إلى {كل} الآراء المتاحة..
رأيك.. بيديك زاوية واحدة بس للصورة.. لو اكتفيت بيها.. هاتشوف كل حاجة في الحياة {مسطحة}..
انما لما تشوف الأمور من كل الزوايا المتاحة.. بانك تسمع الآراء الأخرى... بتبدأ الصورة يكون لها عمق.. و بعد ثالث..

لذا قالت العرب قديماً: إذا صدأ الرأي أصقلته المشورة
و قالوا: المشورة لقاح العقول

و ما أجمل و أبلغ قول الشاعر:

اقرن برأيك رأيَ غيرِك واستشِر *** فالحقّ لا يخفَى على الاثنين
المـرءُ مــرآة تريــــهُ وجهَـــــهُ *** ويـرَى قفـــاه بجمـــع مرآتيـــن

و تعالوا نشوف مثال بسيط.. لواحد قرر يستشير..

الراجل ما اشتراش حاجة جديدة.. لكن الآراء المختلفة بينتله ان اللي بيبيع.. كبرله الموضوع عشان يحسسه بأهمية منتج معين عشان يشتريه.. لما سمع الآراء المختلفة.. قدر يشوف الصورة الأكبر..و ان الموضوع مش مستاهل انه يدفع الضعف في منتج لمجرد ان اللي بيبيع بيقول له انه أحسن من غيره..
لما بنشوف الصورة الأكبر.. بيبان لنا حقيقة الأمور.. و حجمها الحقيقي بالنسبة لباقي الصورة.. فماحدش يقدر يضحك علينا.. بانه يوهمنا بأهمية شئ معين و ان هو الصح بس.. و مانقعش في فخ اننا نوهم نفسنا بنفس الشئ لأننا مركزين على الل احنا شايفينه بس.. فمتخيلين ان مافيش غيره في الصورة..

***