المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Ahmed Behiry Headshot

لو كنا نسمع أو نعقل

تم النشر: تم التحديث:

اتكلمنا عن التفكير.. و التدبر.. و حاجتنا للحظة صدق مع النفس..
طيب.. و بعدين؟.. ايه النتيجة؟..
هل مطلوب مننا تفكير و بس؟.. و يبقى كل واحد مننا شغلته في الحياة "مفكر"؟
أبدا.. الصدق مع النفس.. يقتضي.. بل و لا بد و أن يؤدي إلى البحث الجاد عن الحقيقة..
و البحث الجاد عن الحقيقة لا بد و أن يؤدي إلى الدفاع عن هذه الحقيقة و العمل بها.
الله سبحانه و تعالى ميز الانسان بأن له عقلا يفكر به.. فإذا اختار الانسان أن يلغي هذا العقل.. إذا ما اختار الغاء فكره .. و رضي لنفسه أن يكون إمعة.. ينقاد انقاد البهيمة المسخرة للإنسان.. لا يدري أين ينتهى به.. إلى المرعى؟.. أم إلى المسلخ؟..
اذا اختار أن يكون هكذا.. فالأنعام أفضل منه..
(وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَر السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَروْنَهَا بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا . وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً . إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً . أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً . أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً) الفرقان:40-44.
ليه الأنعام أفضل منه؟.. لأنها مابتكذبش على نفسها.. اللي اختار يكون كده عارف في قرارة نفسه.. انه بيكذب على نفسه.. و بيهرب من الحقيقة.. و هايعترف و يقر بده يوم القيامة و هو بيعض أصابع الندم..
(وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المَصِيرُ . إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ . تَكَادُ تَمَيَّزُ مِن الغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُم نَذِيرٌ . قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنْتُم إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ . وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَو نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ . فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ) الملك:6-11.

جريمة كبيرة. في حق نفسك.. و في حق المجتمع.. بل و في حق الانسانية كلها.. جريمة كبيرة.. انك تلغي عقلك.. جايز ترتاح راحة مؤقتة لأنك هربت من المواجهة المباشرة للباطل.. و للطاغوت.. لكن المشكلة.. ان في الدنيا.. لو انت هربت من المواجهة دي.. هو مش هايسيبك.. كل ما الحق بيرجع خطوة لورا.. الباطل بيتقدم عشرات الخطوات إلى الأمام..
عشان كده أهل الباطل نفسهم.. عشان كده الطغاة و الظالمين.. من مصلحتهم ان الناس ماتفكرش.. ان الناس ماتلاقيش وقت اساسا عشان تفكر.. ولو فكروا.. فاحصروا تفكيرهم في حدود معينة.. أهل الباطل هم اللي يرسموها و يحطوا حدودها ..
احصروا تفكيرهم في لوغاريتمات الجري ورا لقمة العيش و تربية العيال و المشي جوة الحيط..
خليهم يعيشوا تحت خط الفقر و هم بلدهم و أرضهم تتفجر فيها الأنهار و العيون في أرض خصبة لم يصبها العقم بعد..
أو العكس تماما.. افتح عليهم أبواب الدنيا مشرعة و الههم بملذاتهم و شهواتهم..
المهم.. احرمهم من لحظة هدوء.. يختلوا فيها بأنفسهم.. ليتفكروا..
أحد الكنائس في المانيا كان مرسوم على بابها لوحة.. عليها طفل لسة مولود.. ثم الطفل بعد ما كبر شوية و هو بيلعب.. و بعدين بقى طالب في المدرسة.. و بعدين الجامعة.. و بعدين موظف.. ثم رب أسرة.. ثم رجل هرم كبير في الشن.. ثم صورة قبر..
و كتب في أسفل اللوحة.."لا وقت لله"..
ده اللي حاصلنا..
ياترى .. ايه اللي يخلي الناس في زمننا ده .. إن فكروا.. مابيعملوش بجدية؟
ايه اللي بيخليهم تايهين وسط القطعان.. بدعوى ان الموت -حتى لو كان موت ذليل - وسط الجماعة رحمة..
ايه اللي بيخلي كل واحد فيهم عامل مش سامع و مستني غيره هو اللي يقوم بالواجب بدلا منه؟
فيه عامل تاني غير الوقت... و هو الخوف..
الخوف اللي الطغاة راهنوا عليه.. و خسروا الرهان..
الخوف اللي مازالوا الى الآن بيحاولوا يصحوه في قلوب الناس تاني بعد ما مات.. بيخوفوهم من البلطجية و انعدام الأمن.. على أساس ان دول ماكانوش موجودين قبل سقوط النظام..
مش عاوزين الناس يفهموا ان زمان.. كان النظام.. و الأمن.. و البلطجية.. بيسرقوا البلد و بيعيثوا فيها فسادا..
سقط النظام.. و سقطت الشرطة.. و دلوقت مافيش غير البلطجية بس.. و دول اللجان الشعبية شايفة شغلها معاهم..
ماتخافوش..
لو كان الخوف بينفع في الدنيا زي ما البعض متخيل.. لأنه هايعفيه من أي تضحيات ممكن يقدمها.. فده ان نفعه ف يالدنيا.. مش هاينفعه في الآخرة..
لن يغني عنكم أنكم هادنتم و سكتم..
لن يغني عنكم أنكم صممتم الآذان و أغلقتم العيون عن ظلم الظالمين خوفا منهم..
لن يغني عنكم أنكم حصرتم أفكاركم بما تأكلون و تشربون و تتمتعون..
لن يغني عنكم أنكم سلمتم قيادكم عن طيب خاطر إلى كل ناعق بحجة أن هذا أقل تكلفة و أقل جهدا .. أو بحجة أنه أكبر منكم و أجدر بالتفكير عنكم.. أو بحجة أنه يملك السطوة و البطش و الجبروت..
كل هذا.. لن يغني عنكم من الله شيئا..
(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا . إِلاَّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً . فأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَّعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا ) النساء:97-99.
أما من ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا ذنباً لكل ناعق.. وحذاء لكل جبار... الذين الغوا عقولهم، وانقادوا للجبابرة من بني البشر أمثالهم.. فستندمون حين لا ينفع الندم :
(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا القُرْآنِ وَلا بالَّذِي بَيْن يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بِعْضٍ القَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ . قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكَمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ . وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لما رَأَوْا العَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) سبأ:31:33.

لحظة صدق.. و بحث عن الحق..
الثمن اللي ممكن ندفعه عشان نحصل لحظة الصدق دي و نعمل بمقتضاها.. أقل بكتير من الثمن اللي هانفضل ندفعه بسبب الخوف و السلبية.. و الوضع اللي احنا عشناه سنين طويلة و بنحاول نغيره النهاردة.. لو ما ثبتناش و استمرينا في العمل بجدية و اخلاص.. هايستمر لتعيش الأجيال القادمة حياة أسوأ من اللي احنا عشناها..

نسأل الله العلي القدير أن يجعلنا ممن يبحث عن الحق فإذا ما وجده تشبث به.