المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد الزاويتي Headshot

إعلاميون لا دبلوماسيون

تم النشر: تم التحديث:

هل اقتنعت النخبة الكردية العراقية من إعلاميين وصحفيين بخطابات المسؤولين الأتراك وعلى رأسهم رئيس الوزراء التركي أحمد داوود أوغلو بالحديث عن أمجاد الأمة والاستلهام من تاريخ الخلافة العثمانية، حيث تعودت قيادات حزب العدالة والتنمية التغني بها والافتخار، خاصة عندما يصفون أنه لا فرق بين تركي وكردي وعربي فجميعهم إخوة في الوطن الواحد، حيث ما زلت وأنا المتربي إسلاميًّا مقتنعًا أن الجانب التركي وقبله العربي لم يستوعب بعد حساسية الجانب الكردي عند الحديث عن هذه الجزئية في أخوة الدين فهُم (الكورد) يفهمون هذه اللغة بأنها هي التي أوقفت الكوردي عند حده ولم يذهب بعيدًا لطلب حقه باعتبار الأمة الواحدة والجميع متساوين حسب الحديث النبوي الشريف (لا فرق بین عربی وأعجمي وأسود وأبيض إلا بالتقوى) في الوقت الذي كان يُظلَم الكردي في العصور المتأخرة تحت ذلك الشعار (الجميع أخوة) في حين أن الآخر كان يستغل ذلك ليتسط على الكوردي! لا يزال هذا الشعور والحساسية من الحديث من قبل الآخر مع الكوردي على أساس أننا جميعًا إخوة لا فرق بيننا عندما يكون الحديث عن المشاكل مع الكوردي..

هل اقتنع هؤلاء عندما تحدث المسؤولون الترك عن مشروع حزب العدالة والتنمية لحل المشكلة الكوردية في تركيا، فهم تحدثوا بأنهم أزالوا الحظر على اللغة الكوردية، في الوقت الذي لا دراسة باللغة الكوردي إلا في المدارس الخاصة! وحديثهم عن القناة التلفزيونية الرسمية التركية باللغة الكوردية، فهي عند الكثير من الكورد ليست إلا أداة لتمرير سياسة حزب العدالة والتنمية إلى الكوردي بلغته وليست هي قناة كوردية مثلما يريدها الكورد!

أما وعشرات القنوات الأخرى الخاصة الكوردية في تركيا فلا يعتبره الكورد إنجازًا في عصر تغزو عشرات القنوات التلفزيونية الكوردية المختلفة المتنوعة من العراق وإيران وسوريا وكذلك من أوروبا شاشة الفضائيات، والغناء باللغة الكوردية موجة لم تكن أمام السلطات التركية الوقوف بوجهها فواكبتها، إذ لم تستطع تركيا طمس الغناء الكوردي منذ مائة عام بل غزا اللحن والموروث الغنائي الكوردي حتى الغناء واللحن التركي نفسه، وأصبح أشهر المغنين الترك ينحدرون من أصول كوردية كإبراهيم تاتليساس، ومعصوم قرمزلي وأحمد كايا وسيبل جان وغيرهم.

لكن ماذا سيقول الوفد الكوردي عن الانفتاح التركي الرسمي على القضية الكوردية والذي مهد الأرضية لحزب كوردي (حزب الشعوب الديمقراطي) ولأول مرة في التاريخ التركي لكسر حاجز 10% من الأصوات فيحصل على 13% من الأصوات التركية ويفوز بـ 80 مقعد برلماني في آخر انتخابات برلمانية في 7-6-2015، هل سيرددون ما يردده حزب العمال الكوردستاني بأنه أجبر تركيا على ذلك؟!

لا يمكن أن يقولوا ذلك وغالبية المشاركين في الوفد الإعلامي الكوردي قد يختلفون مع حزب العمال في هذا الرأي، هذه الغالبية مقتنع إلى حد كبير بدور حزب العدالة والتنمية في الانفتاح على القضية الكوردية، لكنهم يعترفون في الوقت نفسه بأن الحزب قد تباطأ مؤخرًا في مشروعه، بل توقف! ويخشون أن تكون الحرب الأخيرة بين الجيش التركي وحزب العمال الكردستاني هي الذي تنهي المشروع تمامًا، خاصة أن الجانب التركي اعتبر أصلًا أن حزب العمال الكوردستاني هو العائق أمامهم لتكملة مسيرتهم نحو السلام فلا يسمحون لحزب الشعوب الديمقراطي بأداء دوره لتتحول المعركة من السلاح وفي الجبال إلى الحوار وتحت قبة البرلمان!

كان يراودني القلق وأنا ذاهب باتجاه أنقرة، حول كيف سيتعامل الإعلاميون الكورد مع كل هذه الأفكار التي سنختلف في آرائنا فيها مع الجانب التركي، لتبدأ لقاءاتنا أولًا مع ييالجين أوكدوغان نائب رئيس الوزراء التركي، حيث كان باديًا من وجهه التعب من لقاءات كثيرة سابقة مع أطراف تركية بشأن تشكيل الحكومة التوركية حيث فشلوا في ذلك كحزب العدالة والتنمية لإقناع الأحزاب الاخرى الفائزة بمقاعد برلمانية للتحالف من أجل تشكيل الحكومة التركية بعد انتخابات حزيران الماضي، جلس معنا بعد أن صافحنا فردًا فردًا، وتحدث عن كل ما أشرت إليه أعلاه، ربما لم يتوقع أن جميع أعضاء الوفد المؤلف من 24 صحفيًّا وإعلاميًّا كورديًّا سيرفع يده للحديث والمداخلة، فبدأ من اليمين ليتحدث الكاتب والصحفي سمكو محمد الذي قال:

" لغة الدبلوماسية هي التي تخدم السلام، الآن حزب العدالة والتنمية تواجه مشكلة سياسية وكذلك مشكلة تشكيل الحكومة، قد يحتاج الحزب إلى التفاوض مع حزب الشعوب الديمقراطي كمثال، عليها أن لا تتهم حزب العمال بالإرهاب، إن هي فعلًا تريد حلًّا للمشكلة، فلا يمكن أن تجلس أو تفاوض طرفًا تتهمه بالإرهاب، هذا خطأ سياسي، بالنسبة لنا هناك منظمة واحدة فقط إرهابية وهي داعش، تركيا تحتاج أن تغير من لغتها السياسية وتحاول جذب حزب الشعوب الديمقراطي، لا أن تكون مواقفها رد فعل لقرارات قنديل وبذلك تهدم ما بناه"

مداخلة سمكو أزالت من خاطري الكثير من الريبة والشكوك حول امتلاك النخبة الكوردية جرأة الحديث في المحافل الدولية، كنت أعرف وأرى السياسيين الكورد ولعشرات المرات يجلسون مع الوفود الدولية بما فيها تركيا سواء في أنقرة وإسطنبول أو في أربيل والسليمانية، لكنني لم أعرف تفاصيل ما كان يجري بينهم من حديث، هل ما كان يدور بيننا في قصر رئيس الوزراء التركي في أنقرة وهم المضيفون ونحن الضيوف، كان يدور مثلها بين السياسيين أيضًا من الطرفين؟ أعرف أن السياسيين يتميزون بلغة دبلوماسية أحيانًا تتجاوز بعضًا من الصراحة وتخفي بعض الحقائق وربما لا ترسل القناعات كما هي، الأمر الذي ربما يفتقده الإعلامي والصحفي الذي وجد نفسه دائمًا يسأل ليحصل على الحقيقة، كنت أشك أن ذلك سيكون مانعًا أمام الوفد الإعلامي الكوردي الذي سيجد نفسه في ضياع ما بين التصرف كصحافي وإعلامي أو سياسي ودبلوماسي؟!

سمكو طمأنني كثيرًا وطمأن جميع أعضاء الوفد الآخرين، دون أن أنتظر بماذا سيرد أوكدوغان على كلام سمكو فالمطلوب والمهم بالنسبة لي هو ما قاله سمكو لا ما سيعيده أوكدوغان، حتى جاء الدور على الناشطة والإعلامية أمل جلال وهي الأنثى الوحيدة بين الوفد الكوردي وأفادها ذلك في إعطاء الجميع مجالًا لها للحديث، وحتى في التقاط الصور كانت هي تتقدم للصف الأمامي بجانب الضيف، قالت أمل جلال ردًّا على نائب رئيس الوزراء التركي ييالجين أوكدوغان عندما كان يردد كلمة شمال العراق كي لا يتفوه بكلمة إقليم كردستان:

"إقليم كردستان ضحى كثيرًا للوصول إلى سلطة وكيان شبه مستقل، له برلمان وحكومة وسلطة قضائية، ورئاسة إقليم، أود أن ترد عليّ بصراحة لماذا تسموننا بشمال العراق؟ أو مديرية؟ هذا نعتبره تصغيرًا لنا وعدم اعتراف بنا".

أمل لم تكتف بذلك، بل استغلت فرصتها للحديث لتقول أيضًا:

"نحن جميعًا نعرف أن الحرب ليست حلًّا أبدًا للمشكلة، وأنتم تعرفون قبلنا أن في الحروب يذهب ضحايا مدنيون من النساء والأطفال والعجائز، وهذا ما حصل بالضبط في القصف الأخير، ما ذنب طفل عمره ثمانية أشهر؟ وامرأة على سجادة الصلاة؟ لهذا يجب أن تتوقفوا فورًا من قصف المواقع المدنية".

نعم كما كان متوقعًا رد ييالجين أوكدوغان سائلًا: ماذا كان يفعل هؤلاء هناك؟ واتهم حزب العمال الكوردستاني باستخدامهم كدروع بشرية، لكن أمل ردت بأن هناك موطننا هناك قُرانا لا يمكن أن نتركها كون طائرة ما ستستهدفها دون أن نعلم بأنها ستستهدفها.

أحمد داوود أوغلو كان يختلف كثيرًا عن ييالجين أوكدوغان، وربما تعمد الجانب التركي بجعل كلمة أحمد داوود أوغلو أخيرًا في حين حسب الجدول كانت تلك الكلمة في بداية جدول العمل الذي أرسلوه لنا مسبقًا، ربما جلسة ييالجين أوكدوغان كانت جسًّا للنبض من قبل الجانب التركي للوفد الكوردي، ليفرغ من يجلس مع النائب كل ما لديه حتى يعرف الرئيس بذلك فيعلم بماذا سيتحدث وأي مصطلحات سيستخدم، لذا جاء داوود أوغلو وهو مستعد للقاء مع الوفد الكوردي، جاء مستريحًا غير متعب من لقاءات سابقة، جاء بشوشًا مبتسمًا غير عبوس، وفي كلمته عرف كيف سيتحدث لجذب أنظار الوفد الكوردي، وعرف أي مصطلحات سيستخدم حتى عند ذكر حزب العمال الكردستاني لم يركز كثيرًا على وصفه بالإرهابي كما ييالجين، بل كان يقول تنظيمات البكك، أو يكتفي بمصطلح التنظيم، ولم يكن المجال فسيحًا أمام الوفد الكوردي للحديث كثيرًا بعد داوود أوغلو كما كان أمام ييالجين أوكدوغان وتنل يلدز وجمال الدين هاشمي، بحجة أن له اجتماعًا يجب أن يلتحق به، فاختير ثلاث من بين أربع وعشرين إضافة إلى المحظوظة الأنثى أمل جلال، حيث اختارها داوود أوغلو للحديث بعدما انتهى المتحدثون الثلاثة الرجال، باعتبارها المرأة الوحيدة بين الوفد، لكن الحديث بدأ من عارف قورباني رئيس تحرير موقع خندان الكردي وهو أكثر المواقع الكوردية زيارة من قبل المتصفحين، تحدث كممثل عن الوفد ليقول:

"أشرتم في كلمتكم إلى تاريخ ما قبل مائة عام وما بعدها، وأنت شخص عرفت عنك الاستراتيجية السياسية، الآن الزمن لا يرجع إلى ما قبل الأحداث، ولكن السياسة السليمة بإمكانها تصحيح مسار الأحداث، كنا في المائة سنة التي ذكرت أمام حملة إبادة جماعية في العراق، وهنا في قصر جانكايا كانت تصدر فيها قرارات الإبادة الجماعية، وقرارات لاعتقال رجال كبار كإسماعيل بيشكجي لكونه تحدث عن الكورد، ولكن نحن الآن في نفس القصر نتحدث عن الكورد وكوردستان والدولة الكردية، نحن نتمنى أن نغيير من ذلك التاريخ، وأن يعيش جميع شعوب المنطقة بسلام، لكن كل هذا يحتاج إلى حل المسألة الكوردية في تركيا، وهذا لا يكون إلا بطرق سلمية".

عارف قورباني تحدث بذلك بهدوء وروية وتركيز لم يقل عن هدورء وروية وتركيز داوود أوغلو، وعرف قورباني كيف يدخل وماذا سيطلب، وكان أحمد داوود أوغلو منتبهًا مركزًا على الترجمة، ويكتب ملاحظاته، وشجع ذلك قورباني ليستمر قائلًا:

"علينا جميعا أن نعمل من أجل ذلك، بدون الإفراج عن عبد الله أوجلان لا یمكن حل المسأله‌ الكردیة فی تركیا، لذا أطلب منكم قرارًا جریئًا وتطلقون سراحه، أنتم كحزب العدالة‌ والتنمیة واجهتم بجرأة التميُّز العنصري في تركيا، وعملتم من أجل ذلك في البرلمان، وقلتم لا نستطيع أن نخرس أمام بكاء تلك الأم في ديار بكر، والتي تبكي لابنها الذي قتل في الجبل، الآن أيضًا عليكم أن تفرجوا عن عبد الله أوجلان دون الخشية من العنصريين التورك، أنا متأكد من أنه بهذه الخطوة تركيا ستضع قدمها في طريق مرحلة جديدة، وسيأخذ مشروع السلام المنحى السليم".

إذن زالت الريبة والشك لدي من قدرة النخبة الكوردية على أن تقول ما تريد، سواء كان ذلك بطريقة دبلوماسية سياسية أو إعلامية صحفية، وحتى الآن الأمور تسير وفق ما هو مرضي عنه، ليأتي الإعلامي بوتان تحسين وهو من مؤسسة باس الخبرية التي تصدر نسخ منها بالتركية أيضًا ولها أفرع في إسطنبول وأنقرة وديار بكر ومركزها الرئيس في أربيل، وهي المؤسسة وبوتان كان قد رتب ونسق بالاشتراك مع مكتب رئيس الوزراء التركي لهذه اللقاءات فقد قال:

"تتميز تركيا بامتلاكها لعديد من القواسم المشتركة مع المكونات السياسية والدينية والقومية في شرق الأوسط، بحيث يسهل عليها الجمع بين تلك المكونات، هذا يجعل على تركيا واجبًا بأن تكون عاملًا أساسيًّا للسلم السياسي في المنطقة، وأن تتجنب أن تكون جزءًا من النزاع، خصوصًا فيما يتعلق بالقضية الكردية والانفتاح عليها، هذا يتطلب الاستمرار في العملية السلمية مع قنديل والابتعاد عن استخدام خيار القوة، لأن أغلب ضحايا هذا الخيار هم من الأبرياء، ولايختلف عندما يقتل طفل من زاركلي عن قتل ابن الشرطي الذي فقد والده بعد العمليات الأخيرة".

إذن هي كانت مداخلات من الجانب الكوردي أكثر من كونها أسئلة تنتظر الإجابة، وبعد ردود توضیحیة من أحمد داوود أوغلو أنهی مساعدوه الاجتماع لضيق الوقت، لترفع أمل يدها ويعطيها داوود أوغلو المجال لتقول:

"أنتم نجحتم في الإفراج عن رهائنكم المحتجزين لدى داعش، لدينا الآلاف من اليزيديات لا يزلن بيد داعش تمارس ضدهم كل أنواع العنف، ويتم اغتصابهن، نحن بطرق مختلفة تمكنا من تحرير بعضهن، نطلب مساعدة من تركيا على محورين: الأول مساعدة في تحرير بقية اليزيديات اللواتي بيد داعش، والثاني دعم الناجيات المحررات ومساعدتهن لأنهن يعشن وضعًا صعبًا".

بعد أن أبدى أحمد داوود استعداد بلاده ما يمكن تقديمه من مساعدة، أنهى الاجتماع في أجواء ودية، مبديًا سعادته باللقاء، ليختم بالتقاط صورة جماعية معنا، لم نعلم نحن الوفد الكوردي أن الصورة التقطت تحت صورة أخرى معلقة لمصطفى كمال أتاتورك حيث يكرهه كل كوردي على وجه الأرض، ليعرف أعضاء الوفد بذلك بعد عودتهم، ليكون حرجًا لم يكن هناك فسحة للرد عليه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.