المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد الزاويتي Headshot

نحن الكورد وتركيا حساسية مائة عام من التاريخ وصعوبة الحاضر..

تم النشر: تم التحديث:

لم أتردد في قبول دعوة وجهت لي من مكتب رئيس الوزراء التركي أحمد داوود أوغلو لأكون ضمن أربعة وعشرين صحفيًّا وإعلاميًّا من كردستان العراق لزيارة تركيا واللقاء برئيس الوزراء التركي ونائبه ووزير الطاقة ومدير دائرة الإعلام والمعلومات في مكتب رئيس الوزراء ونخبة من الأكاديميين الأتراك، ذلك كان الجدول الذي وضعه مكتب داوود أوغلو للوفد الكردي.

لم أتردد رغم معرفتي المسبقة أن ذلك سيثير ضجة بين الجمهور الكردي الذي قد لا يستوعب رسالتنا نحن الصحفيين الكورد باللقاء بأعلى مصادر القرار التركي وهم الذين قرروا مؤخرًا شن غارات على مواقع حزب العمال الكردستاني داخل الأراضي العراقية، تلك التي ذهبت ضحيتها مدنيون قرويون في زاركلى بجبال قنديل على المثلث الحدودي بين العراق وتركيا وإيران، حيث معاقل وقيادة حزب العمال الكردستاني، عرفت مسبقًا بحدوث تلك الضجة التي ربما تكون في محلها، حتى ولو كنت أنا مكانهم ربما لما تمكنت من تفهم موقف المستجيبين للدعوة.

لكننا صحفيون ولسنا سياسيين، ومن واجبنا اللقاء بأي طرف للصراع لو تسنت لنا فرص ذلك حتى ولو كان مع جهة وأشخاص تكون مواقفنا على تناقض معهم في بعض الأشياء، أولم يجازف بعض الصحفيون بالدخول لمواقع ومعاقل داعش رغم ما واجههم من مخاطر بعضهم بالتنسيق مع قيادة داعش كالصحفي الألماني يورغن تودنهوفر، الذي غطى من داخل معاقل داعش وفق رؤية داعش لكنه لم ينس بعد عودته أن يتحدث عن الحقائق التي لم يتسن له تغطيتها هناك، والصحفي البريطاني جون كانتلي والذي تم اعتقاله من قبل داعش وتم استغلاله بعمل تقارير وفق رؤية داعش، لكنني على ثقة من أنه لو قدر الله أن أفرج عنه فإنه سيتحدث عن خزائن من الحقائق والمعلومات لن تقدر بثمن، ناهيك عن الصحفيين الأجانب الذين تم ذبحهم من قبلهم.

مع فارق القياس الكبير في استجابة دعوة مكتب رئيس الوزراء التركي أحمد داوود أوغلو بالنسبة لي على الأقل، فمعروف عني تغطيتي لحدث حزب العمال الكردستاني من داخل مواقعه في كردستان العراق منذ اثني عشر عام، حينما أصبحت مراسلًا للجزيرة في 2003 وحتى الآن، في هذه الفترة قدمت مئات من التقارير التلفزيونية من مواقع حزب العمال الكردستاني للجزيرة، وقدمت عشرات المباشرات من هناك، بعضها كانت متعلقة بما يقع من أحداث وبعضها قصص خططت لها ونفذتها بنفسي، ولا يزال فيلمي الوثائقي (دولة الجبل) الذي عملته في ربيع 2006 يحتفظ بأثره في الذاكرة الكردية المهتمة بشأن حزب العمال الكردستاني، وعرفت من مصادر كثيرة منها الجزيرة، ومنها السلطات في كردستان العراق وأخرى داخل تركيا ومن الإعلام التركي أن الحكومة التركية قد انزعجت كثيرًا من تغطياتي تلك باعتبار وصفها لها بأنها كانت غير محايدة، وتناولت طرفًا دون آخر، قد يكون مع تركيا الحق لأن أصلًا مهمتي نقل ما أنا مختص به في موقعي وهو مواقع حزب العمال، أما تركيا وما فيها فللجزيرة هناك من ينقلون الحدث، مع ذلك كنت متلهفًا كثيرًا أن يتسنى لي نقل ما في داخل تركيا فكان لي ذلك مرة في الانتخابات التركية في حزيران 2015، وكانت لي مرة أخرى عند استجابتنا لدعوة أحمد داوود أوغلو.

إذن لا أخفي عليكم تلهفي في الذهاب مع زملائي إلى أنقرة واللقاء بمن حددوا في برنامج العمل: السيد ييالجين آكدوغان نائب رئيس الوزراء التركي، والسيد تنل يلدز وزير الطاقة التركي، والسيد جمال الدين هاشمي مدير دائرة الإعلام والمعلومات في مجلس الوزراء التركي، وحوار مفتوح مع أكاديميين أتراك، وأخيرًا اللقاء برئيس الوزراء أحمد داوود أوغلو.

كنت صورت مسبقًا مجسمًا في مخيلتي عن التصور التركي لما يجري من أحداث، والمجسم يحمل معالم:

(كتشبيه تركيا حزب العمال بداعش، ووصفها له بالإرهابي، وكذلك قتل الشرطة والمدنيين الأتراك من قبل الحزب، وخطر الحزب على العلاقة الجيدة بين تركيا وإقليم كردستان، ومائة سنة من المشكلة الكردية في تركيا، وسينقل لنا أيضًا أن حزب العدالة والتنمية التركي بدء بمشروع حل سلمي لهذه المشكلة فانفتح على اللغة الكردية وفتح قناة رسمية تركية باللغة الكردية، وكذلك التمهيد للتعامل مع عبدالله أوجلان، وإرسال نداءاته ورسائله للمساعدة في حل المشكلة، وسيتم إيصال قناعاتهم لنا بأن حزب العمال يعرقل هذا المشروع، ومن معالم المجسم أيضًا أن تركيا ستقول إنها صاحبة مشروع السلام وستستمر فيه إلا إنها تحتاج من يمد لها يدها من الجانب الآخر وحتى الآن ليس هناك هذا الطرف، بل قد تقول تركيا إن حزب العمال غير مناسب لأن يكون هذا الطرف، ومن معالم هذا المجسم أيضًا أن تركيا عندما يذكرنا سيذكرنا بشمال العراق وهذا ما سيحدث عندنا حساسية بالغة وردود أفعال قد لا تكون مناسبة للأجواء الودية التي يريد مكتب داوود أوغلو أن يصنعها، وكان رؤية المجسم المسبق الذي صورته في مخيلتي ضبابية حول من ستختار تركيا أربيل أو بغداد فيما إذا ذهبا بعيدًا عن بعضهما!)

وإذا كان لمجسمي حقيقة وحدث فعلًا ما تصورته كيف سيكون ردنا وماذا سنقول؟ لم أنس ذلك لذا رسمت في مخيلتي مجسمًا مقابلًا، كان عبارة عن ردودي أنا وزملائي لما سنسمع من كلام قد لا نكون مقتنعين به فكانت معالم مجسمي الآخر هي:

(عندما نسمع بأن حزب العمال إرهابي، فسوف لا أقول بأنه ليس بإرهابي وهو الجواب الروتيني لكل كردي، بل ساقول: لو أعلم بأن وصف حزب العمال بالإرهابي سيحل جزءًا من المشكلة فسأجعل وصف العمال إرهابيًّا ذكري الصباحي والمسائي، مثلما يتهم حزب العمال رجب طيب أوردوغان بالدكتاتور، ويتهم الجيش التركي بالإبادة الجماعية للأكراد لما يحدث الآن، عندما نردد القناعتين المتضادين سوف لا نكون نحن كما نحن بل سنكون إما تركيا أو حزب العمال! وهذا سيزيد الطين بلة فلا هذا ولا ذاك، فلو كان العمال إرهابيًّا مثلًا لما كان له مشروع واضح ومطالب، ولما كان مستعدًّا للحوار، ولما أوقف النار لمرات ومرات، ولما سحب مقاتليه من تركيا، ولما ولما.. أما وإن رجب طيب أوردوغان دكتاتور فهذا ما لا يمكن تصوره، بل هو مثار ضحك، وما يجري هو إبادة هو ظلم بحق الإبادات الجماعية التي وقعت كما في حلبجة وعمليات الأنفال، أما وقتل المدنيين فلا حرب لا يذهب ضحيتها مدنيون إلى قتل الطائرات التركية لطفل في بطن أمه الحامل، وعجوزًا على سجادة الصلاة، لم تستهدفهم تركيا لكنها هي الحرب التي تعمي أحيانا عيون القناصين).

وذهبت بعيدًا في حسن ظني بتركيا في رسم مجسمي الثاني إلى درجة أن نطلب:

(أن نقوم مثلًا نحن الصحفيون بمبادرات لحل المشكلة كالطلب من تركيا بالإفراج عن عبدالله أوجلان، والسماح لنا بنقل رؤية تركيا لحزب العمال والذهاب لنفس الوفد الكوردي إلى قنديل ليستلم رسالة من حزب العمال لتركيا، بل أن نزور عبد الله أوجلان في سجنه، بل أكثر بأن نطلب من تركيا أن لا تعادي تجربة الإدارات الذاتية لأكراد سوريا وتتعامل معها مثلما تعاملت مع إقليم كردستان وتحول العداء لمصالح مشتركة حينها يمكن لهذه الإدارات أن تكون لصالح الاقتصاد التركي والسياسة التركية).

لا أخفي عنكم أن الكثير من مثل أحلام اليقظة هذه كانت تراودني وكانت تمهد إلى التلهف والترقب لهذه الزيارة، لدرجة أنني لم أنتظر حجز مكتب داوود أوغلو لنا الرحلة فحجزت لنفسي الطائرة وتوجهت مباشرة إلى إسطنبول لأكون على الموعد الخطأ 6،7 من آب أغسطس 2015 فالصحيح هو بعد أسبوع فمكثت يومين على حسابي في إسطنبول عائدًا إلى أربيل على أمل التوجه مع الوفد بعد أن تتم الترتيبات من حجز الرحلة والفندق ووضع الجدول لأيام 12و13 من آب أغسطس 2015.

فكانت الزيارة مع الوفد الصحفي الكوردي، وكانت اللقاءات، وكان هناك جزء من المجسم الأول، وجزء من المجسم الثاني، وأخريات لم تكن ضمن المجسمين، والكثير مما قاله المسؤولون الترك وما قلناه نحن، والتفاصيل في مقالات قادمة.