المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد السكسيوي Headshot

فكرة القانون.. بين التحديد الشمولي والانحراف الوضعاني

تم النشر: تم التحديث:

اضطرت البشرية لخلق أداة اجتماعية توازن بين مصالحها المتضاربة، فكانت صناعة القانون قصد ضبط الإنسان، في جل تعاملاته وسلوكياته المتمظهرة أساسا في علاقات اجتماعية، تتخللها بعض الصراعات والنزاعات، لذلك فالمهمة الأولى للقانون هي وضع مقياس لسلوك الإنسان بقصد تقييده.
إن تقييد القانون للحرية المطلقة ليس أمرا عنيفا، ولا يمثل اتجاهاً نحو الإستبداد، إنما هو اتجاه لفكرة الشمولية، أي وضع ضابط شمولي يخضع إليه كل البشر، لا يستثني أحدا، الملاحظة التي يمكن البدء بها أن القانون يهيمن بشكل واضح وهذا ما حاول التعبير عنه الأستاذ "ميشيل تروبير"(1) بقوله أن القانون يتحكم فينا ويضع الضوابط الأساسية في إعمال ردة فعل نحو الفعل البشري، نفس الطرح يؤكده الأستاذ "توني أونوريه" بقوله إن القانون هدفه هو إرساء إطار رسمي من الإلزام(2).

تظهر فكرة الشمول القانوني عند البحث في الأجزاء المتعلقة بالقاعدة القانونية، لذلك تتجلى نظرية الشمول في مايلي:
1) - مدخل تحقيق العدالة (نظرية جون رولز)(3): إن نظرية جون رولز لها مكانة أساسية في النسق الفكري والقانوني، على اعتبار أن العدالة هي فكرة توحدت عليها الكتابات الفلسفية، منذ الأزل، فكانت مادة خصبة للبحث والتفكر، وارتبط ارتباطا كبيرا مع فلسفة القانون، لقد كان رولز أكثر الحريصين على تبيان حقيقة العدالة في المجتمع، لأنه مؤمن أن التنظيم الجيد للمجتمع هو المدخل الأساسي للعدالة الناجحة، لذلك فالقانون والقضاء المستقل (4) هما المداخل الممكنة لتحقيق هذا التنظيم المجتمعي العادل

2) تحقيق القانون للأخلاق والمصالح: إن الوظيفة الشمولية الأخرى هي تحقيق الأخلاق لكن هل فعلا القانون يحقق الأخلاق؟، لكن ربما طرح هكذا سؤال يصيب الباحث بنوع من الشك حول مدى أخلاقية القاعدة القانونية، لكن يمكن الجزم أن فكرة القانون في بنائها الأولي بنيت على قيمة أخلاقية، لذلك فالفكرة الشمولية تزداد حضورا بفضل التصور الأخلاقي للقانون.

كما أن المصالح هي جزء لا يتجزأ من الغرض الأساسي للقانون، فحماية المصالح متطلب مجتمعي، إن أهم مثال على هذا الهدف المهم هو حماية الملكية الخاصة، كمصلحة ضمن المصالح العامة للمجتمع.

المصالح تحمى والأخلاق تبنى في القاعدة القانونية، لكن تبقى الإشكالية في مفهوم الأخلاق الذي يتم تأويله من مرجعية إلى أخرى، لذلك فالقانون الأخلاقي ليس نسقا واحدا أو تكتلاً ثقافيا واحدا، بل تختلف الأخلاق من زمن إلى آخر، ومن نظام اجتماعي إلى آخر، النتيجة أن القانون يتباعد بشكل مثير مع الأخلاق على عدة مستويات أهمها: الجزاء والهدف ومن حيث الشدة، القانون هو أداة ضيقة المدى مقارنة مع الأخلاق.
سؤال يطفو إلى السطح في سياق الحديث هو: هل القانون شمولي أم منحرف؟.

سؤال جدلي، يصيب المرء بالشك والتناقض، ويمكن البداية بملاحظة أساسية أن هنالك حقلين دلاليين يجب الإشارة إليهما قبل البدء بالإجابة وهما، الحقل النظري والذي يمكننا أن نجزم بأن المبادئ القانونية تعرف في هذا المستوى كثافة كبيرة تجعل من القانون وجها للعدالة والإنصاف، والحقل الدلالي الثاني هو الممارسة والتي تجعلنا نشكك في مدى تطبيق المبادئ المثالية للقانون.
إن النزعة المثالية أو يوتيوبيا القانون، تزيد الشرخ مع الواقع، الذي يزداد ظلما قانونيا للإنسان، فتعمل اليوتوبيا القانونية على ثلاثة مستويات من الانحراف:
أولا، اليوتوبيا عبارة عن خيال جامح.
ثانيا، اليوتوبيا بديل عن السلطة القائمة، فكل اليوتوبيات، كائنا ما كانت ضروبها، تحاول أن تمارس السلطة بطريقة مختلفة عما هو قائم في الواقع. وفي مستوى.

ثالثا، أفضل وظائف اليوتوبيا استكشاف الممكن والمحتمل، فوظيفة اليوتوبيا، في نهاية المطاف، وظيفة اللامكان الذي يصبح وجوده ضروريا بوصفه نقيضا ضديا لمكان لا تتوفر فيه شروط العدالة(5).
لكن يزداد الشك في انحراف القانون عند التمعن بشكل معمق في تنزيل القانون، إن هنالك انحرافا واضحا في القانون يمكن إجماله في أمرين أساسيين:
الانحراف الوضعاني للقانون: إن انحراف القانون بهاته الطريقة ينصرف إلى طريقة وضع القانون والتي تظهر بشكل منحرف في القانون الوضعي أو ما يسمى بالتيار الوضعي، إن ما يميز التيار الوضعي (أو الوضعانية) بمختلف مدارسه هو موقفه المعادي للمثالية، للعقلانية وللطبيعانية. هو يرفض التجرد الذي يميز الاتجاهات المثالية. كما يرفض مبدأ العالمية وفكرة أن يكون العدل كمفهوم جوهر القانون. يعتبر الوضعيون أنه لا يمكن تناول القانون إلا من زاوية معطيات خارج العقل والطبيعة

انحراف غاية المصلحة العامة في القانون: ثاني أنواع الانحراف القانوني يتشكل بالأساس عند وضع القاعدة القانونية وتلي بعدها مرحلة التطبيق العملي لهذا القانون، وهنا تظهر أكثر صور الانحراف والتي عبر عنها العديد من الفلاسفة، فيظهر النهب المشرعن باسم القانون، كما سماه الأستاذ والفيلسوف فريدريك باستيا بالنهب المشروع بدعوى المصلحة العامة، جاء في أحد أقواله ما يلي:

" أنظر فيما إذا كان القانون يأخُذ من بعض الأشخاص ما يملكون ويعطيه إلى أشخاصٍ آخرين لا تعود ملكيته لهم، أنظر فيما إذا كان القانون ينفع مواطنا معينًا على حساب الآخر من خلال فعل ما يعجز المواطن نفسه عن فعله دون ارتكاب جريمة"(7
وبهذا الوصف الدقيق للنهب المُشرعن المتصف بالشرعية، لا نستطيع أن ننكر بأن معظم الأعمال الإدارية، بما فيها أنشطة إداراتنا، ماهي إلا أعمالُ نهب شرعي، أو لأجل حداثة التعبير، ما هي إلا سرقة شرعية، تحث ذريعة المصلحة العامة، وباسم القانون.

---------

1 - ميشيل تروبير، فلسفة القانون، ترجمة جورج سعد، دار الأنوار لطباعة والنشر، الطبعة الأولى 2004. ص. 3.
2- توني أنوريه، أراء في القانون، الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة العالمية، الطبعة الأولى 1998، ص. 8.
3- جون رولز، العدالة كإنصاف إعادة صياغة، ترجمة: حيدر حاج إسماعيل، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، الطبعة الأولى، 2009، ص. 293.
4 - JOHN RAWLS, A Theory of Justice, Cambridge, mass : Belknap Press Of Harvard University Press, 1971, p. 34.
5 - عبد الله إبراهيم، اليوتوبيا، مقال منشور بجريدة الرياض الموقع الإلكتروني، http://www.alriyadh.com/819173
6 - جورج سعد، فلسفة القانون الإقتراح الأولي، الجمعية اللبنانية للفلسفة، الموقع الإلكتروني:
7- فريديرك باستيا، القانون، الأهلية للنشر والتوزيع، المطبعة الأولى 2012. ص. 20.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.