المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد السكسيوي Headshot

مصر.. من الانقلاب الملعون إلى الانتخابات الحزينة

تم النشر: تم التحديث:

يمكن للديكتاتورية الموجهة أن تعطي نتائج حسنة بعد أن تقطع الرقاب وتضع مجموعة الحدود المقيدة للحرية، كما الحال بالنسبة لتطبيق القانون بطريقة صارمة، لكن هذا لا يعطينا الحق لأن نؤيد الحكم الديكتاتوري، فحكم القانون هو الأهم والصائب.

لكن ما يحصل في مصر لا يمكن تصنيفه بالديكتاتورية المنظمة، بل هو فقط مشهد مشتت، ومشهد عبثي، لذلك يمكن التعليق على ما جرى في الانتخابات الحالية في مصر بكلمة واحدة أنها "مهزلة" بكل المقاييس.

إن النظام العبثي الذي يحكم مصر الآن وقع في إحراج كبير بعدم استجابة المواطنين للانتخابات، وهذا دليل قاطع على عدم رضا الشعب بما يجري اليوم في الشأن السياسي المصري، أليس في مصر العظيمة رجال تحكم؟

إن هذا السؤال يرفضه النظام العبثي المصري القائم، وترفضه آليات "التنويم المغناطيسي" أو الإعلام المصري المخضرم في مجال التدليس على الشعب، لكنه سؤال منطقي يتم الإجابة عليه بسهولة بالغة، أن مصر أنجبت وستنجب من هو أهل للحكم، لكن الحرية لا يحبها هذا النظام القائم ولا إعلامه الضال، لأنها ستهدد مستواهم الفكري ويعري مرجعياتهم المهشمة، لذلك فإن الأحداث المتسارعة في مصر منذ الانقلاب الملعون إلى الانتخابات الحزينة إنما هي ردة فعل تجاه الحرية، إنه خوف واضح من الحرية، إن النظام الجبري دائما يخاف من الحرية.

لقد عالج عالم النفس والفيلسوف الأمريكي إريك فروم موضوع الخوف من الحرية، في كتاب يحمل نفس العنوان "الخوف من الحرية"، وبدأ في فصله الأول بتساؤل مفاده: هل الحرية مشكلة سيكولوجية؟
يجيب عن هذا السؤال بداية، بقوله إن الحرية بذل الأوروبيون والأمريكيون الجهد من أجل تحقيقها وفتح الأصفاد السياسية والاقتصادية التي تغلها، ورغم ما وصلت إليه هذه المحاولات فإنها تظل بحق مشكلاً سيكولوجياً وسياسياً، يصطدم بوسائل كثيرة ومتعددة للهروب من الحرية من بينها:
التسلط: سماه فروم بالرغبات المازوكية- السادية، الأنانية المطلقة التي هي وهم عميق غير محدود، وقد خلف لنا السعي نحو تحقيق المصالح الخاصة، دون التفكير وهو مرض نفسي أكثر من ما هو فعل عادي، وقد أعطى إريك فروم مثالا عن هذا التسلط في النظام النازي، وتتواجد أمثلة متعددة في العربي-الإسلام كالنظام البعثي السوري، والنظام الليبي السابق، اللذين يتميزان بالتسلط، والسادية.

التدميرية: تحيلنا النزعة التسلطية إلى نزعة أخرى أشد خطورة، وهي التدميرية، والتي تعني الهروب من النقص الذي يعاني منه الشخص تجاه أشخاص، آخرين بتدميرهم، فالتسلط هو مقابل الهيمنة، أما التدميرية فهي السحق والتدمير، وتلتقي هاته النزعة، مع المشروعية الاستفزازية التي تعني إما الحاكم المطلق أو الفوضى والحرب.

الإنسان الآلة: الانسحاب التام من العالم، الشخصية السيكوباتية، التي تؤدي إلى أن يصبح الإنسان آلة، يتم إجراء عملية غسيل الدماغ الفكري له حتى لا يرى عيوب السلطة الحاكمة أو التوجه الحاكم، وأكبر دليل على هذا الكلام هو ما يشكله الإعلام والانترنت من دور في تمرير بعض من الأيديولوجيات والأفكار التي تضلل المجتمع، والولايات الأمريكية المتحدة نموذج حي لسيطرة الإعلام على العقول الأمريكية، وهذه الطريقة هي أرقى الطرق في صد الحرية، حسب إريك فروم.
إن الخلاصة التي يمكن الخروج منها في هذا المقال أن مصر تعيش اليوم حالة من الاكتئاب السياسي المزمن، الذي أثر على نفسية الشعب، وزادت مشاكله بما يقدمه الإعلام المصري من رداءةٍ في تقديم المواضيع، ونتمنى في الأخير لمصر عودة من المشهد العبثي الذي تعيشه.

---------

1. إريك فروم، الخوف من الحرية، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى 1972، ص. 11.

2 .ERICH FROMM. TO HAVE OR TO BE. LONDON. 1979. P. 50

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.