المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد الساجر Headshot

غياب المتحسسات السياسية عن مؤسسة الحكم العراقية

تم النشر: تم التحديث:

ما زلنا نلف وندور حول دائرة مفرغة، نسأل نفس الأسئلة منذ ثلاثة عشر عاماً، حول سبب كل هذه الفوضى، ونصرّ على الإجابة الخطأ لنفس السؤال، أين المشكلة؟ هل المشكلة فينا؟ أم المشكلة في نظام الحكم؟ أم المشكلة في المنظومة ككل؟ لم يعد باستطاعتنا الوصول إلى سبب كل هذه الفوضى.

في الأيام الأولى من الاحتلال الأميركي كان لدى "بعض العراقيين" أمل في أن يبدأ العراق عهداً جديداً، وأن يقدم العراقيون للمنطقة والعالم دولة تتجاوز عقد الطائفية. فيما كان الجميع يؤكد على أن المخرج والطريق الوحيد لنجاة العراق من الزلازل الذي يشق أرض المنطقة، هو أن يكون العراق مُلكاً لكل مواطنيه، على قدم المساواة، قولاً وفعلاً.

لكن ما حدث هو أن الأمور انتكست أكثر فأكثر، فئات قليلة استحوذت على الكثير، فيما قطاعات كبيرة من العراقيين، مسحوقة محرومة معدومة مركونة على أرصفة الإقصاء والتهميش والتهجير.

في الأنظمة الديمقراطية القديمة والحديثة نجد أن الأغلبية لا تعني إلغاء الآخر أو إقصاءه أو تهميشه، وإنما تعني مسؤولية أكبر تُلقى على عاتق الأغلبية في إدارة شؤون الأقليات، وفي كيفية ضمان حقوقهم السياسية والحرّيات الأساسية، وكيفية استيعابهم واحتوائهم داخل النظام ومنظومة أو مؤسسة الحكم. لهذا بعض الدول الديمقراطية لديها حساسية مفرطة تجاه الأقليات، بحيث تتمنى أحياناً الأكثرية بمكتسبات الأقلية وبما تتمتع به تحت حكم تلك الدول.

واحدة من أكبر المشاكل التي وَقَع فيها نظام الحكم ما بعد 2003 في العراق والقائم على تأويل أو تفسير رؤيته للأغلبية تفسيراً أعوج- هي "الخلط" بين ما هو مقبول شرعياً أو دينياً من جهة، وبين ما هو مقبول عرفياً أو اجتماعياً أو سياسياً من جهة أخرى، بالرغم من عدم وجود إحصائية أو تعداد سكاني يحدد من هم الأكثرية.

أوقع هذا "الخلط" النظام الحالي في أخطاء كارثية. منها على سبيل المثال؛ حين حوّل الميتافيزيقة والأمور الغيبيّة إلى أيديولوجية، ورفض الاعتراف بمعارضة المجتمعات المتحسسة لتلك التحولات، فيما لم يسمح بالتعامل معها إلا من خلال أساليبه ورؤيته العقائدية، بعبارة أخرى؛ هذا النظام كان -وما زال- يحاول فرض رؤيته الأيديولوجيته على حساب رؤية الدولة.

الشيء اللافت والغريب هو ليس إصرار هذه النظام على اجتثاث دور تلك المجتمعات المتحسسة لتلك التحولات فحسب، بل هو تهميش أو تغييب "متحسسات سياسية" من نفس البيئة المجتمعية لمركز صناعة القرار السياسي للنظام نفسه، والتي كانت تُمكن لهذا النظام بشكلٍ عامٍ ولمؤسسة الحكم بشكل خاص من الاستشعار باحتمالية وقوع الخطأ قبل وقوعه، والسبب هو عدم توافق تلك المتحسسات مع رؤية النظام وأيديولوجيته المتطرفة، ولسان حالها "رضينا بتفسيركم الأعوج للأكثرية وتفسيركم ما رضى بينا".

بمعنى آخر؛ اجتثاث هذه المتحسسات -الشيعية فضلاً عن السنية- جعلت مؤسسة الحكم تدخل في مغامراتٍ حالمة،ٍ لتصدر عنها قرارات ارتجالية عمياء لاعَقلانيّة، بالتالي غير قادرة على تجنّب المطبات التي وقعت فيها، والتي كان بالإمكان أن تتدارك نتائجها أيضاً.

غايتي من هذا كله؛ هو أن أغلب الموجودين اليوم في مؤسسة الحكم أو المشاركين في مركز صنع القرار السياسي والأمني العراقي يراهنون بالتغيير على "متحسسات سلطوية" ذات بعد طائفيٍ أو فئَويٍّ، بدل المراهنة على متحسسات سياسية من كل أطياف المجتمع العراقي وأبعاده، وهذا الأمر معروف ومفروض على كل من يريد أن يكون جزءاً من هذا النظام أو يريد الدخول في هذه العملية السياسية البائسة.

المشكلة أن المراهنة على هذا النوع من المتحسسات فيه مخاطرة كبيرة، بمعنى أن حسابات الخطأ فيه أكثر من الصواب أو احتمالية الفشل فيه أكبر من النجاح، نتحدث عن النجاح على المدى الاستراتيجي البعيد لا النجاح اللحظي المؤقت، لأن من الممكن وببساطة شديدة تجاوز تلك المتحسسات لأسباب نستطيع أن نسميها مجازاً ديناميكية الاتجاه الجماهيري.

الجماهير التي تتخلى عن زعاماتها لتستطيب عند أقصر الطرق وأسهلها لتستمر بالعيش، والشواهد على ذلك كثيرة، وتاريخ العراق مليء بالوقائع التي تروي لنا كيف تخلت الجماهير عن زعاماتها في لحظة انكسارها وانهيارها، فيما يبقى الزعيم معزولاً محصوراً محاطاً بدائرته الضيقة ينتظر مصيره المحتوم.