المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد القاعود Headshot

قانون تقنين إرهاب السلطة

تم النشر: تم التحديث:

بجرة قلم واحدة اعتُبر شعب بأكمله فى عداد الإرهابيين، لا قانون طبيعي ولا قضاء، ولا جنح ولا جنايات، فقانون الإرهاب يجب ما قبله وما بعده، إذ إنه أبو القوانين وأبو الدستور فى حكم الغابة السائد فى مصر.

منتج جديد غريب وعجيب، ينضم لعشرات من القوانين سيئة السمعة المعادية لأبسط حقوق الإنسان يصدر فى عزب العسكر فى مصر، لا يدان من قبل المجتمع الدولي أو تلك الحكومات والأنظمة التى تتدعي دومًا أنها تعمل على تدعيم الحريات والديمقراطية، وتصدر للعالم أنها تصدر قيمًا ومُثلًا عليا لصالح الإنسان فى كل مكان.

اعتبر القانون الجديد الذى دخل حيز التنفيذ 90 مليون شخص إرهابيين، فكل ثلاثة أشخاص يمكن أن يعتبروا جماعة إرهابية، وكل شخص قد يتشاجر مع شخص آخر فإنه بحكم القانون إرهابي ويهدف إلى ترويع المواطنين وإرهابهم، والغريب فى القانون أنه يفتش فى النوايا ويتجسس على نفوس المواطنين.

لا عجب فى أن يصدر مثل هذا القانون من نظام فاشي ودولة تحكم بقانون الغابة، تعتبر الجميع إرهابيين لا يريد أن يسمع أصواتًا تعارضه ولا انتقادات تخصه، وبهذا فإن حالة الطوارئ التى فرضها مبارك طيلة سنوات حكمه الثلاثين، أصبحت أملًا يسعى المصريون للعيش تحتها، إذ يمكن القول إنها فى النهاية كانت قانونًا!

يقول القانون الذي أفرط فى عقوبات الإعدام والقتل، تحقيقًا لدموية الحاكم ورغبته فى مشاهدة الدماء، أن من ينفذون هذا القانون إذا ما قتلوا أو ارتكبوا جناية أثناء قيامهم بمهمتهم لن يكون عليهم مسؤولية جنائية، وبهذا فإن القانون الذي حول المجتمع المصري كله لإرهابيين، يحمي الإرهابيين الحقيقيين الذين ينفذون مصالح السلطة الوحشية فى القتل والتعذيب والعدوان على الحرمات والممتلكات.

وفى تعريفه للإرهاب فإنه ضم كافة الجرائم الجنائية التى يمكن أن تحدث، حتى لو كان هذا الفعل عملية هدم جدار فى عقار أو قطع شجرة فى حديقة أو اصطياد عصفور على شجرة قد يعتبر النظام أنه عصفور وطني وسطي جميل، واصطياده مساس بأمن البلاد والعباد. ويتم إحالة الجاني إلى محاكم الإرهاب وإصدار حكم بإعدامه، فى فترة أصبحت الإعدامات فيها مجالًا للتنافس بين محاكم القضاء الذى يفترض أنه طبيعي.

والهدف الأساسي لمثل هذا العمل ليس مكافحة الإرهاب، وإنما تقنين إرهاب السلطة، ووحشيتها، وتمجيد إجرامها باسم الوطن والمواطن، فالجماعات المسلحة أو التى يطلق عليها من قبل النظام إرهابية، لا يعنيها من قريب أو بعيد دستور الدولة أو قانونها، فهي لا تعترف من الأساس بالنظام السياسي وشرعيته، وتقف ضده، ويستعد أفرادها للموت والقتل والقتال، وبعضهم ينفذ عمليات انتحارية ضد قوات النظام، وإنما الهدف من هذا المنتج هو إرهاب المجتمع ككل والمعارضة السلمية التى ما زالت تناضل من أجل الحصول على حريتها واستقلال شعبها بعيدًا عن أنظمة تحكم بأوامر خارجية.

تحاول سلطة 30 يونيو الإرهابية تقنين عمليات القتل والترويع التى تنفذها بحق المصريين، وإخماد أصوات المعارضة والسياسيين والإعلاميين والنشطاء؛ بحجة أنهم إرهابيون ويعادون الدولة ويهدفون للإضرار بالمجتمع، لذلك فإن أي فعل ولو بسيط يمكن أن يجعل المواطن إرهابيا إذا ما كان شكل هذا المواطن على غير رغبة جهة التحقيق أو الضبط.

وفى شأن الصحافة والإعلام، اعتبر القانون أن من ينشر أي خبر عن الجماعات الإرهابية يعتبر محرضًا على الإرهاب ويعاقب بغرامة باهظة، لا يستطيع الصحفي دفعها ولا مؤسسته، وبالتالي فإن الصحف الأمنية والمتعاونة مع الأمن أصلًا وهي الوحيدة فى مصر، لن تجرؤ بعد الآن على نشر أي خبر عن عمليات تحدث أو تفجيرات تقع، وإذا ما أشارت إلى بيان صادر عن جهات تعلن مسؤوليتها عن عملية ما فإن الصحيفة والمحرر سيكونان تحت طائلة قانون الإرهاب، وعلى الصحفي انتظار ما يرد على لسان الأجهزة الرسمية لنشره.

وبهذا فإن ما يسمى بالقانون صادر حق الصحفي فى البحث عن المعلومة ونقل الأخبار، وصادر حق المجتمع فى العام 2015 فى الحصول على المعلومات، ناهيك بأن بيانات الأجهزة الرسمية فى معظمها مدلسة وكاذبة ومغايرة للحقيقة، وبات الجمهور حاليًّا متعطشًا لأخبار تتعلق بصدامات بين الدولة وتنظيمات مسلحة، فإنه ينتظر بيانات وتوثيقات هذه التنظيمات للتأكد من المعلومات.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع