المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد القاعود Headshot

يا سيسي يا كايدهم

تم النشر: تم التحديث:

لا يذكر في التاريخ أن مهرجانات صاخبة أقامت حضارة أو أن احتفالات ضخمة ثبتت دعائم حكم. فى التاريخ كل من ارتبط اسمه بالحفل والصخب والمجون، كانت دولته هشة وسقوطها مريع!.

خلال أيام قليلة مضت أعلن فى العالم أن مسبارًا بشريًّا وصل إلى مدار تاسع كواكب المجموعة الشمسية، بلوتو، فى رحلة استغرقت عشر سنوات، تمكن المسبار من التقاط صور فريدة وتاريخية لسطح الجرم السماوي الذي يختلف العلماء في توصيفه إذا ما كان يرقى لأن يكون كوكبًا أم لا، بعد هذا الحدث بأيام أعلنت وكالة الفضاء الأمريكية ناسا أنها تمكنت من رصد أقرب الكواكب خارج مجموعتنا الشمسية شبهًا بالأرض، ما يعزز فرص وجود حياة أو حيوات أخرى فى هذا الكون الفسيح. وقبل يومين أعلن عن تدشين أطول خط سكة حديد في العالم يربط بين الصين وأوربا ويصل حتى أسبانيا في غرب القارة.

لم يدشن الرئيس الأميريكي باراك أوباما على صفحته التى تضم عشرات الملايين على فيسبوك وسمًا أو "هاشتاج" يدعي فيه أن "أمريكا بتفرح" بينما كان غارقًا في إصدار قوانين لا تمت إلى الحضارة الإنسانية بصلة يعزز بها هيمنته على مقدرات الولايات المتحدة وسلطتها وثروتها ومحياها ومماتها، كذلك لم يفعل الرئيس الصيني عندما دشن خط السكة الحديد، ولم يفعل أي زعيم فى التاريخ الحديث ما يُفعل بمصر الآن!.

يقرر عبدالفتاح السيسي فرح مصر وحزنها، يربط حزنها بالتحرر من التبعية والنهوض الحقيقي واحترام كرامة الإنسان والتطلع إلى المستقبل وقتل العلماء وحبس الشباب، بينما يربط فرحها بأعمال الحفر فقط سواء كانت ترعًا أو تفريعات أو مقابر تضم المئات من ضحاياه يطلق عليهم لفظ إرهابيين، وكأن مصر تحولت إلى عالم من مجتمع الخلد، ذلك الحيوان البرمائي الذى يحيا بين الحفر والمستنقعات، لا تفرح إلا بين الحفر، ولا يحزنها سوى أبنائها من العلماء والأتقياء!.

اختصر السيسي المشهد الكئيب وحوله فى لحظات انحطاط إنساني غير مسبوقة فى التاريخ الحديث إلى حالة من الفرح المصطنع وسط غيوم الحزن الحقيقي التى تخيم على أمة، لم يمكنها فئة "العسكر" من أن تحيا شبابها، أغدق بحنيته على الشعب الذى لم يجد من يحنو عليه، فأودع زهرات البلد وربيع عمرها فى مقابر وحشية تسمي أقسام وسجون، يتساقط منهم الواحد تلو الأخر، قبل أن يصل عدد لا بأس به منهم إلى مقاصل الإعدام، فى لحظات نادرة يغيب فيها الضمير عن وطن وقيمة تسمى مصر. أعلن أن مصر "هتبقى أد الدنيا" فأطلق مشاريعه المتعددة بدء من مشروعه الفذ العملاق الذي كان فارقًا فى تاريخ البشرية، وهو علاج لفيروسات الإيدز والكبد وكافة الفيروسات التى وجدت على هذا الكوكب، ورغم هذا الإنجاز المعجز، أعلن مكتشفوه أنه سيعالج المصريين فقط من بين بني البشر، الأمر الذى أصاب الغرب المتقدم بالغيظ والحنق على حالة من العنصرية الممقوتة، التي تميز حتى فى المرض.

لم ترق قاهرة المعز للسيسي، بضوضائها وعشوائيتها وكتلها البشرية الضخمة التى تتجاوز 15 مليونًا من البشر، ومبانيها كريهة الشكل والمنظر، والتي لا تختلف عن المقابر فى شيء رغم إنفاق مليارات الجنيهات على بنائها، ولعل كثيرين رأوا صورة التقطت جوًّا لحي سكني ضخم يعتقد من يراه للوهله الأولي أنها مقابر واسعة المساحة لكنها علب أسمنتية يحيا بها المصريون، لذلك قرر القائد الملهم أن ينشئ العاصمة الجديدة ليس فى عشر سنوات أو سبع أو حتى ثلاث فقط، وإنما فى عام ونصف. وإزاء مشكلة السكن الخانق واستجابة لملايين الأسر قرر أن يبني لهم مشروع المليون وحدة سكنية، بالإضافة إلى 4 آلاف كيلومتر من الطرق لخدمة المصريين ودعمًا للبنية التحتية التى ستؤدي بالضرورة لتحسن الاقتصاد.

كانت مشاريع "مخلص مصر" وبطلها معجزة فى تنفيذها على المستوى العالمي وموجعة فى أدائها للضمير الإنساني!، إذ بعد نجاحه فى المشاريع السالفة الذكر وعلى رأسها قناة السويس التي أنشأ مبارك نفسه تفريعات بها بدون احتفالات أو أفراح وليالٍ ملاح، فإنه نجح أيضًا فى تطوير مصر ومحاربة أعدائها وعملائها فى الداخل والخارج، ولعل أبرز هذه الإنجازات التى توجب على المصريين الفرح هي مذبحة رابعة المريعة والنهضة وعشرات المذابح في أزمنة ومناسبات مختلفة تباهي السيسي نفسه بها فى شهر رمضان في حدث أطلق عليه وقتها إفطار الأسرة المصرية! كان السيسي مصممًا أن يدخل على المصريين الفرح من كافة أبوابه، فاختار للشباب طرق موت متعددة، من الضرب بالرصاص والقنص في الجامعات مرورًا بالحرق فى سيارات الترحيلات أو الاعتصامات، أو الموت مرضًا فى المعتقلات والسجون، وحتى الموت على منصات العدالة الشامخة، كذلك فإنه اختار أنواع التعذيب والتنكيل لإدخال الفرح إلى هذا الشعب البائس، بدءًا من حفلات الاستقبال فى السجون والضرب والصعق بالكهرباء وحتى الاغتصاب الكامل.

من حق المصريين أن يفرحوا ويرقصوا بمناسبة جبارة كتفريعة قناة السويس التي سترفع دخل القناة عدة ملايين من الدولارات المضافة إلى المليارت الخمسة التى تدخل سنويًّا، ولا يعرف أين تذهب ولا أين تنفق!. من حقهم أيضًا أن يفرحوا لزيادة دخل القناة وهناك أكثر من 40 مليار دولار على الأقل، أي ما يعادل ثماني سنوات من إيرادات القناة حصل عليها السيسي خلال عامين من الكفلاء فى الخليج، لا يعرف أين ذهبوا ولا أين أنفقوا ولا فى حساب من وضعوا! وهناك روايات تقول إنها 60 مليار دولار!.

من حق المصريين أن يفرحوا ويرقصوا طربًا لفقد السيطرة على سيناء ووقف تنميتها تنفيذًا لإرادة العدو الصهيوني، ومن حقهم أيضًا أن يفرحوا لانتشار التفجيرات فى أنحاء مختلفة من البلاد! من حقهم أن يفرحوا كمرضى يلقي بهم أمام المستشفيات بينما يأمر وزير الدفاع بعلاج لاعب أفريقي على نفقة القوات المسلحة درع الوطن وحامية الحمى! من حقهم أن يفرحوا لتولية الفاسدين والمفسدين كافة مناصب البلاد، ومن غياب العدالة ومن غابة التشريعات التى لا علاقة لها بدستور أو قانون.
من حق المصريين أن يقولوا للعالم كله وللإخوان على الأخص: يا سيسي يا كايدهم!!!