المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد الحاج Headshot

من وحي الغابة العراقية.. إعادة إحياء صورة فوتوغرافية للذكرى

تم النشر: تم التحديث:

كل صغار المخلوقات في الغابة أبرياء وعلى درجة من الحلاوة والشقاوة ما يجعلها محبوبة لدى الجميع، وبإمكانها أن تلعب مع بعضها بعضاً من دون حذر، وتلتقط صوراً تذكارية تظهر حبها لبعضها بجلاء ﻻ يخفى على مصور محترف قبل بلوغها سن الافتراس والاندراس.. إنه البند الأول من شريعة الغاب الذي لم يتغير بعد، والبند الأول نائم، لعن الله من أيقظه بشرياً!

أعجبته فكرة إعادة لقطة مصورة في نفس المكان مع ذات الشخوص والملابس والديكور والتي اشتهر منها عالمياً 16 صورة، أبكت شعوب الأرض بأسرها من أقصى العالم إلى أقصاه لما أثارته فيهم من مشاعر جياشة يغلفها الأسى والحنين الجامح إلى ذكريات الطفولة الجميلة تارة، والتعيسة أخرى؛ حيث الشوق إلى الماضي البعيد المتدفق كسيل من جوانبها بالأسود والأبيض؛ ليعيد نبض الحياة إلى تلك اللوحة السوريالية الصماء البكماء الممددة وسط ركام الصور كمومياء فرعونية هامدة، أخرج سعيد ألبوم صوره بعد نشرة الأخبار التي تابعها بقلق بالغ، قلب الطرف فيها، سحب نفساً عميقاً من سيجارته الإلكترونية الطبية -وهو ﻻ يعلم بأنها أكذوبة تجارية- بعد إقلاعه عن التدخين،

قرر أن يختار صورة حفل تخرجه في الجامعة؛ حيث يقف إلى جواره كل من: جمال، وسرمد، وتوفيق، وعبد الستار، ودانيال فيما يقف أمامه كل من: طاهر، وحسن، وعباس، وسلمان، وحافظ، يتقدمهم الأساتذة باسم وسلوان ومعتز والدكتورة نهى (اقطع النفس، ثابت، دع القلق وابتسم للحياة.. جررررق انتهى كل شيء!) هكذا صاح بهم المصور ساعتها؛ ليتبادلوا بعدها الضحكات البريئة والعناق اﻷخوي فيما بينهم، وهم يتناولون قطع الكيك والبيبسي كولا قبل أن يودع بعضهم بعضاً ربما إلى لا لقاء مرتقب ثانية بعد أربع سنين على مقاعد الدراسة المليئة بالمسامير وبغبار الطباشير، بحلوها ومرها باستثناء سعيد الذي أمضى 8 سنين في الكلية، تارة تقاعساً وأخرى تأجيلاً وثالثة واسطة ورابعة غشاً في الامتحان لحين تخرج - جدو - هكذا كان يحلو لهم مناداته باعتباره أقدم طالب في تاريخ الجامعات المحلية، كان محبوباً وحكيماً هذا السعيد تسره الطالبات همومهن، والطلاب مشاكلهم وغرامياتهم العذرية البريئة من جانب واحد في اﻷعم اﻷغلب، التدريسيون بدورهم كانوا يعتمدون عليه في تنظيم الصفوف وتسجيل الغيابات وإلقاء القصائد في المناسبات!

خرج سعيد هائماً إلى الغابة العراقية باحثاً كابن بطوطة عن شخوص الصورة فرداً فرداً لاستعادة اللقطة في ذات الكلية وبزي التخرج بعد 27 عاماً من الفراق يحدوه اﻷمل بنشرها لتتفوق على نظيراتها الـ16 السابقة التي ذاع صيتها في اﻵفاق...

سعيد العامر في أرض الخراب لم يبذل جهداً كبيراً في بحثه عن الصفين اﻷول والثاني فسرعان ما تنامى إلى سمعه أن توفيق استشهد في حرب الخليج الثانية بصاروخ كروز أميركي ودفن في مقبرة شهداء الكرخ، دانيال اغتيل برصاص تجار المخدرات بتهمة بيع الخمور كونها تؤثر على تجارتهم التي يرومون ترويجها في البلاد، بل ويزرعونها ويصنعونها ويهربونها أيضاً، برغم حرمة المسكرين شرعاً ونجاستهما عرفا، جمال أعدم بتهمة معاداة الديكتاتورية، سرمد اعتقل بتهمة معاداة الديمقراطية، طاهر سافر إلى غير عودة إلى الدنمارك كونه لم يعد يحتمل ﻻ ديكتاتورية الذئب الشرس وﻻ ديمقراطية الفيل الهائج، وقرر أن يكون أرنباً تكفيه جزرات الغربة واللجوء ليعيش عليها ما تبقى له من حياة، حافظ أصبح خنزيراً يتمرغ بأوحال الأقوى ويدور في فلكه غير آبه بفكره وعقيدته ومنهجه - المهم أكل ومرعى وقلة صنعة.. أكل وصوص -،

تماماً كسلمان الذي آثر على نفسه أن يتحول إلى قرد يقفز من غصن حزب وتكتل إلى آخر في كل دورة انتخابية، طمعاً بأن يتحول ذات يوم إلى غوريلا يقارع بسمعتها ونفوذها ومخصصاتها وامتيازاتها التي ﻻ تعد وﻻ تحصى بقية المفترسات في الغابة - السياسية العراقية - عباس أصبح متطرفاً وانضم إلى جماعات مسلحة، حسن نحا ذات المنحى ولكن بالاتجاه المعاكس وانضم إلى ميليشيا مسلحة، كلاهما براية طويلة وبحربة شريرة تعزف على أوتار أحقاد مثيرة تطيح برؤوس تلو رؤوس، القاسم المشترك الأكبر بينهما هو قسوة القلب وقصر البصر وانعدام البصيرة وغرة سوداء - مصنوعة ﻻ من أثر السجود خشوعاً للخالق المعبود، وإنما من الخل والثوم لخداع الناس - تتوسط جبهتيهما كبيرة رآها لأخر مرة كل من قتلوه ظلماً وعدواناً على قارعة طريق خارجي - تماماً كما فعل الخوارج ذات يوم - ليسلبوا منه كل ما يملك حتى مصحفه الذي يضم بين دفتيه قوله تعالى: (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضبَ الله عليه ولعنه وأعدَّ له عذاباً عظيماً)، ا

لأستاذ باسم اغتالته يد الغدر والخيانة بهدف تهجير العقول والكفاءات شأنه شأن الأطباء والمخترعين والمفكرين، الأستاذ معتز هرب إلى لندن "صحيح أن وطنه اسمه عزيز إﻻ أن روحه تدعى عزيزة" الأستاذ سلوان سافر للتدريس في ليبيا - فهوجمت - رحل إلى جامعات اليمن - فهوجمت - إلى الجامعات السورية - فهوجمت - عاد إلى جامعة الموصل - فهجمت - اضطر لإحالة نفسه على المعاش وقضاء بقية حياته على طاولة مقهى بائس يرتاده الجهال وتأليف كتاب بعنوان "يوميات معلم الأجيال في مقهى الجهال"، الدكتورة نهى، الحمد لله تزوجت وأنجبت وتركت التدريس وعاشت عيشة سعيدة تقص على أحفادها حكايا أسطورية يومية ليناموا مبكراً تختمها بـ"لو بيتكم قريب كنا جبنا لكم حمص وزبيب"!

أطرق رأسه قليلاً سعيد.. حمل كاميرته ويمم وجهه شطر كليته بعد 27 عاماً من الفراق، وقف أمام الكاميرا مبتسماً ببلاهة والتقط لنفسه صورة شخصية، كتب تحتها عبارة: "سعيد يقف وحيداً وسط الغابات بعد أن فقد كل أحبابه وأساتذته وأصحابه"، وأخذ يتمتم بفقرة من فقه الغابة: "ﻻ تعول كثيراً على سلام ولعب مؤقت بين فهد صغير وغزال؛ إذ سرعان ما سيتحول الثاني إلى وجبة شهية للأول، برغم كل الهدايا والابتسامات البريئة التي تبادﻻها صغاراً قبل عهد الاستحمار والاستعمار"، واعلموا أن نفوق حمار فوق جسر الشهداء أو الأحرار ببلد ثري كالعراق ﻻ يستحق أن يعرض في شاشات التلفزة المسروقة؛ ﻷن الناس ستسأل "من أي غابة ظهر الحمار في بلد النفط والغاز والدولار وكيف لم يمت في الغابة الحقيقية افتراساً ومات هاهنا قتلاً".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.