المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد البقري Headshot

تأملات على عتبات جامعات حرة

تم النشر: تم التحديث:

البداية كانت من اتصال هاتفي يخبرني بأن لديك موعد مع زيارة الجامعة رقم "5" على مستوى العالم، وذلك بحسب آخر تصنيف للجامعات..

تحسست أوراقي فهذه هويتي التي سأضطر لتسلميها على بوابة الجامعة العتيدة التي لن يستطيع أي أحد أن يدخل إليها هكذا بدون إثبات هويته والكشف عن سبب الدخول وموعد الخروج "هكذا كان يفعل ضباط الداخلية على أبواب جامعات مصر حال قدوم أحد الزائرين إلى أحد البوابات المتهالكة".

بالفعل وصلت إلى الجامعة لأكتشف أنني لست بحاجة إلى هوية أو إجراء تحقيق مُصغر معي عن سبب الخروج وموعده وما سأفعله بالداخل، وكانت هذه أولى المفاجآت أو قل حتى الصدمات.. فقلت في نفسي: لا تنبهر فليس كل ما يلمع ذهبًا.

دخلت إلي جامعة #كاليفورنيا بمدينة #لوس_أنجلوس الأمريكية ولا أدري ما الذي دفعني حينها أن أتذكر فورًا جامعات مصر التي تحولت إلى ثكنات عسكرية، وهذا ربما لأن الأشياء تتميز بضدها.

هنا لم أرَ أحدهم يحمل سلاحًا في وجه طلاب سلاحهم الأقلام والأوراق. ولم أشمم رائحة الغاز المسيل للدموع الخانقة التي قد تودي بحياة المرء فضلًا عن تركيزه اللازم للدراسة.
ولم ألحظ وجه ضابط الشرطة بلباسه العفن المتلوث بالدماء حتى ولو غسله ألف ألف مرة، وهو يترصد ويفكر كم سيقتل من زملائنا اليوم.

لم أر مخبري أمن الدولة ولا الأساتذة الذين كانوا يتملقوننا وقت الثورة وانقلبوا إلي مخبرين بفعل انقلاب السيسي.

نظرت إلي الطلاب ليس بعين الفقد التي كنت أنظر بها إلى زملائي في #مصر، وإنما نظرت إليهم بنظرة الأمل في غدٍ سيكون حتمًا أجمل وأفضل، فمستقبل الأمم مرهون بنظرة الشباب إليه "هكذا كان يحكي لي أستاذي المقتول على بُعد أمتار من جامعتنا التي كان يُدرس لنا فيها".

تعرفت على شاب مصري في منتصف الثلاثينيات تقريبًا فقال لي إنه يعمل أستاذًا في أحد كليات هذه الجامعة العريقة.. فسكتُّ لبرهة لأتذكر "محمود عبد المعين" صاحبي الذي كان يحصل على تقدير "امتياز" في كل سنوات دراسته فكان نصيبه من الدولة هو توجيه المدفع الجرينوف في منتصف رأسه لتتطاير أشلاؤه في منظر مرعب أمام العالم أجمع في مذبحة رابعة، هذا فضلاً عن القبض على أقاربه الذين ذهبوا لإحضار جثته في طريق عودتهم ليكونوا من ضحايا مجزرة سيارة الترحيلات التي نحيا ذكراها الثانية هذه الأيام.

ظللت أنظر وأتفكر في حال الطلاب المقتولين داخل جامعاتنا وغيرهم ممن أودعهم العسكر غياهب السجون، وآخرين تم فصلهم نهائيًّا من التعليم، لينضموا إلى قوافل الطاقات المهدرة على عتبات هذا الانقلاب الغاشم الكئيب. فلا الوطن نهض ولا تحقق فيه أي وعد من وعود الجنرالات المتربعين بقوة الدبابة على عروش الحكم في بلادنا.

تذكرت كذلك تصريح #السيسي في أيام الانقلاب الأولى أنه كان يتابع الأمور وما آلت إليه يوميًّا مع تشاك هيجل وزير الدفاع الأمريكي حينها، ثم تساءلت: إذا كانت أمور الحكم والتغلب عليه تتم بتنسيق تام بين وزيري دفاع مصر وأمريكا فلماذا لا يتصل وزير التعليم العالي في بلادنا بوزير التعليم كذلك في الولايات المتحدة يتابع معه سير العملية التعليمية في القاهرة، وكيف صارت جامعات مصر إلى المراتب الأخيرة في التصنيف العالمي للجامعات.

إذا كانت هناك تبعية سياسية وتنسيق عسكري رفيع المستوى فلماذا لا يبرز هذا التنسيق في التعليم والصحة وغيرها من الأمور التي صارت لدينا نموذجًا للتخلف والجهل.

من هنا أدركت سر نهضة الشعوب وتقدمها.. وأن السواعد الشابّة وحدها يجب أن تتقدم عملية بناء الأمم، وأنك بنظرة واحدة إلى الجامعات في أي بلد تستطيع أن تبني منظورك الخاص عن كل قطاعات الدولة، فمن هنا يخرج كل من أراد البناء، البناء وحسب وليس السيطرة بالقوة على الدولة ومفاصلها أيًّا كانت العواقب والنتائج..

من هنا، ومن هنا فقط لا بد وأن تكون البداية..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبرعن وجهة نظر فريق تحرير الموقع