المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد علاء حسين  Headshot

في نقد نقد العقل العربي (1): بداية الإعجاب، والإنقلاب

تم النشر: تم التحديث:

2017-06-07-1496879197-8179723-CritiqueoftheCritiqueoftheArabReasonMain.jpg

كانت البداية سنة 1984. في عز وهج الحرب الأهلية اللبنانية، يقرر جورج طرابيشي الابتعاد عن ملل الحرب والانتقال من لبنان إلى فرنسا. معه على طائرة الهجرة أسرته، وكتاب طازج هو الجزء الأول من نقد العقل العربي: "تكوين العقل العربي" للمفكر المغربي الدكتور محمد عابد الجابري. يقرأه لأول مرة في الطائرة، ثم يعاود قراءته مرتين أخرتين، معجباً بما يتضمنه الكتاب. لقد أحدث "تكوين العقل العربي" ثورة عند طرابيشي. وكتب وقتها في مجلة الوحدة الباريسية: "إن الذهن بعد مطالعة تكوين العقل العربي لا يبقى كما كان قبلها". وقال في موقف آخر: "لقد سُحرت بهذا الكتاب".

ثم كانت سنة 1986 بداية الانقلاب، وكان الجابري أصدر الجزء الثاني: "بنية العقل العربي: دراسة تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية". استوقف جورج طرابيشي كلام عابد الجابري عن "إخوان الصفا وخلان الوفا". ذكريات طرابيشي عن إخوان الصفا أنهم جماعة لعبت دوراً مرموقاً في خدمة الفلسفة في الحضارة العربية الإسلامية. إلا أن الجابري وصفهم بأنهم يمثلون "اللامعقول" وكانوا ضد الفلسفة والمنطق، وأن لا حاجة للإنسان في علم المنطق. إذن الصورة الذهنية لإخوان الصفا عند طرابيشي تتناقض مع الجابري وكلامه عنهم. لذا انطلق طرابيشي للفصل في هذه الإشكالية: هل كان إخوان الصفا وخلان الوفا ضد الفلسفة والمنطق فعلاً، أم عكس ذلك؟ وعندما ينطلق طرابيشي للوقوف على حقيقة أمر ما، دائماً ما نراه يعود إلى المصدر نفسه. في الحالة هذه يكون المصدر هو رسائل إخوان الصفا التي كُتبت في القرن الثالث الهجري (العاشر الميلادي).

في زيارة لدولة البحرين سنة 1986 حصل طرابيشي، في الخفاء، على نسخة من كتاب رسائل إخوان الصفا. وهو كتاب عبارة عن إثنين وخمسين رسالة (مقالة كبيرة) في الفلسفة والرياضيات والطبيعيات والإلهيات، قرأ في مقدمتها حديث الإخوان عن أهمية الفلسفة والمنطق، وكيف يقولون أن المنطق يقوِّم العقل في البحث عن الحقيقة كما النحو يقوِّم اللسان في الكلام! عن أي إخوان صفا يتحدث الجابري إذاً؟ يستكمل طرابيشي قراءته ليصل إلى الرسائل من التاسعة إلى الخامسة عشر ليجدها ست رسائل كاملة تشرح مذهب أرسطو ومنطقه، وأهمية المنطق للعقل البشري حتى يحسن التفكير. كيف يدّعي عليهم الجابري بعكس ما فيهم؟ لقد قال أنهم يمثلون اللامعقول. واللامعقول يعني "الإدراك بدون استخدام مَلَكة العقل كأداة للتفكير". مثال: إذا قلت لك أني رأيت كلباً يقرأ كتاباً. أنت هنا أدركت معنى الجملة لكن هذه جملة لامعقولة، لأن بمجرد التفكير فيها ستعرف أن مضمونها لا يتماشى مع قواعد العقل. إذا اقتنعت بتلك الجملة فأنت تؤمن بلامعقول. هكذا اتهم الجابري الإخوان والخلان بأنهم يؤمنون بأشياء لا تتماشى مع قواعد العقل، إنهم يؤمنون باللامعقول.

يصل طرابيشي في قراءته إلى رسالة خصصها الإخوان للحديث عن اللغة العربية. يتحدثون فيها عن أهمية اللغة في الإجتماع البشري، ويقولون لولا اللغة لما اجتمع الناس في جماعات وتكونت شبكة العلاقات، ولكان البشر بالحيوانات أشبه. ثم تظهر الجملة التي بنى عليها الجابري فكرته: "لولا الكلام لما صار الإنسان إنسانًا وتميز عن عالم الحيوان، ولكن اعلم يا أخانا في الروح أنه هناك من النفوس ما لا تحتاج إلى منطق لكي تتفاهم فهي تتفاهم بالأنظار والروح ولا تحتاج إلى منطق ...."

صدمة موجعة تلقاها طرابيشي في الرجل الذي يراه أفضل ممثل للعقل العربي. الجابري أنطق النص بغير مراده! أخذه من سياقه ووضعه في سياق آخر. الجابري أخذ حرف الكلام وترك معناه وقال إن إخوان الصفا يقولون أننا لا حاجة لنا إلى المنطق. الفارق معروف بين المنطق الفلسفي، الذي هو ضرورة لتحسين الفكر، والمنطق اللفظي الذي هو ضرورة لتحسين الكلام. ألا يدرك الجابري ذلك؟ بالطبع يدركه لكنه زوّر النص، ولا يتردد طرابيشي في استخدام لفظ تزوير، وأنطق الجابري المصدر بعكس منطوقه لأغراض سوف نوضحها ونناقشها خلال رحلتنا في نقد نقد العقل العربي.

وهنا كانت البداية، ارتد طرابيشي لقراءة تكوين العقل العربي "بعين جديدة وبمحاسبة نقدية صارمة" على حد تعبيره، وقام بمراجعة كل شواهد ومصادر الجابري، وكان في انتظاره كارثة أخرى. لا يوجد مصدر واحد عند الجابري لم يصبه التزييف. جميع مصادره إما مزورة أو مفصولة عن سياقها، بل وصلت به الجرأة إلى إخفاء مصدره الحقيقي والتظاهر بكتابة مصدر آخر.

على هذا النحو رأى مشروع "نقد نقد العقل العربي" النور في أربعة أجزاء رئيسية: "نظرية العقل" - "إشكاليات العقل العربي" - "وحدة العقل العربي الإسلامي" - "العقل المستقيل في الإسلام؟"، بالإضافة إلى ثلاث كتب فرعية هم: "مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام" - "المعجزة: أو سبات العقل في الإسلام" وأخيراً "من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث: النشأة المستأنفة". الرحلة شاقة كما ترون. سبعة كتب كبيرة مليئة بالنقد وتفكيك الإشكاليات وإعادة بناء ما هدمه الجابري "فالنقد الذي يكتفي بمناقشة الإشكاليات يبقى أسيراً لها".

نقد النقد سيكون بوابة دخولنا لأعماق التراث البشري في كافة صوره. ستتغير المفاهيم، وسنعيد بناء ثقافتنا على أساس معرفي قوي. الشواهد والمصادر معنا، نقرأها ونحللها، ونطرحها على العقل الذي سينصب المحكمة، وعلى جميع الأفكار أن تبرأ نفسها أمام محكمة العقل.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.