المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد المريني Headshot

الصحافة الفرنسية واحتكار الصواب "1"

تم النشر: تم التحديث:

تعود البداية الأولى لظهور الصحافة في المغرب إلى الاستعمار الأوروبي والفرنسي والإسباني، بهدف التمهيد لفرض هيمنته على التراب المغربي، وفي هذا الصدد يشير الدكتور جامع بيدا في رسالته للدكتوراه حول "الصحافة المغربية الناطقة بالفرنسية وأصولها" إلى أن المغرب شهد صدور سبع عشرة جريدة ناطقة بالفرنسية بين 1870 و1912 تاريخ بدء الحماية، ثلاث عشرة منها في طنجة، وأربع في الدار البيضاء.

وقد لعبت معظم تلك الجرائد المقربة من المفوضية الفرنسية في طنجة دوراً هاماً في تمهيد الأرضية للتوغّل الهادئ في المغرب.

ويرصد الباحث جامع بايدة في كتابه السابق، 86 سنة من تاريخ الصحافة الفرنسية بالمغرب، منذ دخلت كجسم أجنبي، وكيف قاومتها النخبة، ثم تبنّتها للدفاع عن مصالحها منذ ثلاثينات القرن العشرين.

ويذكر الدكتور جامع بايدا ظهور جريدة LeRéveil duMaroc التي كانت تحصل على دعم من المفوضية الفرنسية ومن بنك فرنسي له فرع في طنجة؛ حيث سارعت من البداية إلى تمجيد فرنسا ودعوتها لنشر اللغة والقيم الفرنسية، ومهاجمة المخزن وموظفيه، وإهانة المشاعر الدينية للمغاربة.

كما حرضت على المغرب في استخدام القوة، وروجت لإقدام فرنسا على تلقين المغرب الدروس، وإدخاله إلى عالم الإصلاحات، شريطة فتحه الأبواب طواعية للرأسمال والمقاولات الأوروبية كما حدث في تونس والجزائر.

وفي رد فعل على تلك الحملة سافر النائب السلطاني محمد بركاش عام 1884 إلى باريس؛ ليحتج لدى الحكومة الفرنسية على ما يُنشَر، وقد طلبت باريس من الجريدة أن تلطّف حدتها.

تلك كانت نظرة سريعة حول دخول الصحافة الفرنسية إلى المغرب كمستعمرة يخضع لتطلعاتها ويخدم مصالحها في الهيمنة، والتوسع على أكبر قدر ممكن.. ومن معالم دخولها الأول ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، الإيحاء بالاستعلاء الذي طبع كل الصحف الذي تواصل مع الزمن، فنجد أن مصطلحاتها ومفاهيمها لا تخرج عن محور القوة الفرنسية ومشاريعها الاستعمارية التوسعية، والهيمنة التي تريد أن تفرضها على المغربي، وتتخذ الهيمنة أبعاداً كثيرة، وتتسع لتشمل الثروات المادية والأفكار والثقافات والتراث والمعرفة، بوصف المغرب مستعمرة خاضعة للفرنسي المتسيد، صاحب القوة والنفوذ والمعرفة.

انتهى الاستعمار الفرنسي على المغرب، واستمرت الهيمنة الصحفية الفرنسية على المغرب من خلال تبنّي لغة الحداثة في عدد من المجالات لتكريس واقع الهيمنة، مما يعني تكريس خطاب التيئيس والإحباط لخدمة أجندة سياسة أو ثقافية ساهمت فيها النخب المغربية ذات التوجه الفرنسي المطلق التي تواصل تنفيذ الوصاية باسم العقلانية.

وهي صورة كاشفة لفلسفة عميقة الجذور في الثقافة الفرنسية الغربية.

وتسيطر عقدة الاستعلاء على مساحة كبيرة من الصحافة الفرنسية، وهو ما يطبع إنتاجها تجاه المغربي بوجه خاص كما هو الشأن بالنسبة لشارلي إيبدو، فهو لا يمثل في نظرها إلا مستوى أدنى في التفكير وفي مجالات الحياة من أفكار وملبس وأسلوب التعامل.

فالصحافة الفرنسية لا تنظر إلى المجتمعات والثقافات الأخرى إلا بمعاييرها الخاصة. واحتكار الصواب لدى الصحافة الفرنسية في الشأن المغربي يمثل مساحة شاسعة، تبدأ بالأفكار مروراً بالسياسة والاقتصاد والصناعة والمجتمع والعلوم والتكنولوجيا والصحافة... دون الحد من ذلك.

فهذه المساحة الواضحة من الصحافة الفرنسية لم تخرج من قبضة الأيديولوجية، فهي نظرة تطبعها السيطرة أو الاستعلاء فلا تتحدث بقدر من الاحترام عن الآخر. فالرغبة في الاستبداد تتبلور من حولها من مسيطر إلى متسلّط يتحكم في تدفق الأخبار وتوزيعها وتسويقها، ولا تريد لأحد أن يخضع لإرادتها في صناعة بضاعة صحفية محلية تتبنى واقع مجتمعها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.