المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 أحمد الباهى  Headshot

سلام على مهدي عاكف

تم النشر: تم التحديث:

بين الشباب والشيخوخة

الشباب أو الشيخوخة حالة شخصية ونفسية وليست حالة عمرية، وإنني أعتبر عاكف من النوادر التي قل أن يجود بها الزمان في الحالة المصرية عامة، والحالة الإخوانية خاصة، فهو شخصية تتجسد فيها حيوية الشباب وإقدامهم ومغامراتهم، وإن تلفَّحت برداء الشيوخ.
لقائي بالأستاذ عاكف

من حسن طالعي أنني اهتممت مبكراً بتدوين تاريخ جماعة الإخوان، مما يسَّر لي وشرفني بمقابلة الكثيرين من الرعيل الأول للجماعة.
كان لقائي بالأستاذ عاكف من أهم محطات تدويني لتاريخ الجماعة، وقد كان لقاء فارقاً في حياتي، فأثناء جمعي لمادة كتابي الأول عن القائد الأخير للنظام الخاص (يوسف طلعت)، كان حتماً أن أقابله وأعرض عليه المادة.

حددت معه موعداً في بيته بمدينة نصر قبل أن يتولى منصب المرشد ببضعة أشهر، وذهبت إليه بصحبة مهندس صديق كان معه فكرة لمشروع دعوي إلكتروني، وما أن جلسنا وعرف الغرض من الزيارة، وأعطيته المادة التي جمعتها لأخذ الرأي فيها حتى بادرني بالسؤال:
* ما هي مهنتك؟
- مهندس.
* وما علاقتك بالتأليف والتاريخ؟
- أنا مغرم بقراءة التاريخ وأهوى الكتابة.
* مأساة جيلكم عدم التخصص، ماذا لو أبدع كل شخص في تخصصه، ونبغ فيه ألا يكون ذلك خيراً للأمة، مشكلة عموم الإخوان أنهم أطباء ومهندسون وأساتذة جامعات وتجدهم يفعلون كل شيء إلا الإبداع.
)وحدثني وصاحبي بحديث لا أنساه عن الإبداع وبذل الجهد، وأن توضع كل كفاءة في مكانها، فيكون ذلك رافعة للتقدم والنهوض بالأمة).

فمضيت من عنده أنا وصاحبي بنظرة جديدة للحياة، فأبدع صاحبي في تخصصه (برمجة الحاسب) حتى صار اليوم مديراً تنفيذياً بفرع الشرق الأوسط لأكبر شركات البرمجة العالمية، والتحقت أنا بالدراسات العليا في تخصصي الهندسي، وحصلت على شهادتها، إلا أنني لم أدَع كتابة التاريخ.

ولم تنتهِ قصة تلك الليلة، فقد لاحظ حزني على عدم ترحيبه باهتمامي بالكتابة، وفي صباح اليوم التالي، بعد أدائي لصلاة الفجر خلدت للنوم، وبعد برهة فوجئت بصوت الجوال، فانزعجت، وكنت بين النوم واليقظة فجاءني صوت يقول لي:
* السلام عليكم.. المهندس أحمد؟
- وعليكم السلام.. انت مين؟
* أنا مهدي عاكف (بكل تواضع).
فانتفضت من سريري كمن لدغته حية.
- آسف يا فندم.. آسف يا أستاذنا.
* هل كنت نائماً؟
- نعم.
* فيه أخ ينام بعد الفجر؟ يا كسلاااااااااان.
(عادة فضيلته -أدام الله له العافية- أن يستيقظ قبل الفجر بساعة يصلي قيام الليل، ثم بعد الفجر يقوم ببعض التمارين الرياضية، ومن ثم يستأنف أعماله).
فرددت عليه: آسف يا فندم.
* عموماً أنا قرأت المادة عن يوسف طلعت، ولا بأس بها، وسأعمل للمساعدة على نشرها، وبالنسبة للمشروع الإلكتروني، سأعرضه على مختصين، وهو فكرة جيدة.

وبالفعل وجدت بعد بضعة أشهر المشروع الإلكتروني الدعوي لصاحبي قيد التنفيذ، وقام فضيلته بسعي مشكور لنشر الكتاب، إلا أنه لحساسية الموضوع، لم يتيسر النشر إلا بعد الثورة مباشرة، وتشرفت بتقديمه للكتاب.
وتعددت لقاءاتي بعد ذلك مع فضيلته أثناء وبعد منصب المرشد، وفي كل مرة كنت أنهل قيمة ومعنى، وأضيف لحياتي شيئاً جديداً.

المغامر مهدي عاكف (قصة تكتب بماء الذهب)

الدارس لتاريخ مهدي عاكف يعلم أنه أمام شخصية اتسعت على الإحاطة، وأمام مغامر خاض في ريعان شبابه مغامرات ربما كانت الواحدة منها كفيلة بعمل فيلم من نوع الأكشن الهوليوودية.

وُلد عاكف عام نشأة دعوة الإخوان سنة 1928، وارتبط بالجماعة منذ أن كان في المرحلة الثانوية، والتحق بكلية الهندسة، فسأله الشيخ حسن البنا:
* بأي كلية التحقت يا محمد؟
- الهندسة.
* وهل للإخوان أحد في كلية التربية الرياضية؟
- لا.

فهم عاكف مغزى السؤال، ومن فوره ذهب وسحب أوراقه من الهندسة والتحق بكلية التربية الرياضية، على الرغم من أنها لم تكن من الكليات المرموقة وقتها؛ إذ أحس بحاجة الدعوة الشديدة لمدرب تربية رياضية.

التحق عاكف بالنظام الخاص لجماعة الإخوان، وفي عام 1951 مع بدء المقاومة الشعبية ضد الإنكليز في القناة، كان عاكف هو مسؤول معسكرات التدريب لطلاب الجامعات المصرية المتطوعين للعمليات الفدائية بالقنال، وشارك بنفسه في عمليات نوعية ضد القوات الإنكليزية في الإسماعيلية والتل الكبير.

وبعد الثورة وحدوث الصدام بين الإخوان وعبد الناصر، كان لعاكف مغامرات كثيرة كانت تتجلى فيها روحه المغامرة وشخصيته المتوثبة مثل تحرير العقيد عبد المنعم عبد الرؤوف من السجن الحربي والسيطرة على مطار القاهرة عند محاولة القبض على الأستاذ حسن الهضيبي مرشد الإخوان.
ولذلك عندما تم القبض على (عاكف) تم تعذيبه عذاباً شديداً، وحكمت عليه محكمة الشعب بالإعدام، فواجه الحكم باستهانة وثبات، وفي ليلة التنفيذ جاء القرار بتخفيف الحكم للمؤبد، قضى منها عشرين عاماً كاملة.

من ضيق السجن إلى آفاق الدعوة في أوروبا

خرج (عاكف) من السجن بعد عشرين عاماً وقد تجاوز الأربعين، وكان يدعو ربه دائماً قبيل خروجه بأن يحج ويتزوج بشكل سريع ومُفاجئ، وبالفعل أنعم الله عليه بالنعمتين في عام واحد، وبعدها سافر إلى السعودية مديراً في (المنظمة العالمية لشباب العالم الإسلامي)؛ حيث جاب العالم الإسلامي في معسكرات تثقيف ونشر للدعوة الإسلامية.

ويعتبر عاكف من مؤسسي العمل الإسلامي والدعوي في أوروبا؛ حيث سافر إلى ألمانيا وأسس أول وأكبر مركز إسلامي بميونيخ، وتتابع إنشاء المراكز بعدها بمشاركة واضحة منه.

عاكف مرشد غير اعتيادي

فور توليه منصب المرشد سَرَت في الجماعة روح جديدة، يذكرها كل من عايش تلك الفترة، فخرجت مظاهرات الإصلاح في عام 2005، ونزل الإخوان الشارع بعد انقطاع دام خمسين عاماً.
ووصل 88 عضواً من الإخوان للبرلمان المصري، وعندما حوصرت غزة في عام 2006 أعلن مهدي عاكف أننا سندافع عن غزة في الشوارع المصرية، وبالفعل نزلت جموع شباب الإخوان محاوِلة الوصول لميدان التحرير، وتم اعتقال المئات منهم.

"دعك من فلتات لسانه في التصريحات الإعلامية التي وجّهها لأول مرة في حياته، فشخصية المغامر تكون دائماً مندفعة، وربما لا تجيد المناورات الكلامية".
وأصر على تنفيذ وعده بعدم الترشح لفترة ثانية في منصب المرشد، رغم مناشدة الكثيرين له بالبقاء، ولكنه قال بحزم:" كيف يقطع مرشد الإخوان وعداً ويتراجع فيه؟! كما أنه يجب أن نعطي الآخرين القدوة العملية في التخلي عن المناصب".

وتم انتخاب الدكتور محمد بديع، وفي يوم الإعلان عن المرشد، قال عاكف للدكتور بديع:
"يا فضيلة المرشد، أنا جندي من جنود الدعوة، وتحت أمرك في أي وقت".

وفى أثناء ثورة يناير/كانون الثاني كان عازماً على الاعتصام بميدان التحرير لولا طلب الدكتور بديع منه عدم الذهاب حتى لا يستغل النظام وجوده في الدعاية المضادة للثورة.

وفور الانقلاب تم القبض على المناضل الذي ناهز التسعين، وتمت مساومته للإفراج عنه بتقديم تنازلات في صورة تصريحات، إلا أنه رفض رفضاً قاطعاً وأقفل باب المناقشة في هذه الأمور.

ربما أراد الله لمهدي عاكف أن يختم حياته مجاهداً مناضلاً كما بدأها، وكأنها طوال عمره،
إلا أنني أدعو الله أن يمد في عمره حتى يرى بعينيه مصارع الظالمين وسارقي الأوطان،
أو ربما مقامك يا سيدي عند ربك - كما نحسبك - أن تموت على فراش السجن مناضلاً وليس على فراش البيت كما يموت البعير.. فلا نامت أعين الجبناء

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.