المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 أحمد الباهى  Headshot

ثورة مصر "11 - 11".. حقائق وأوهام

تم النشر: تم التحديث:

بعد الانقلاب العسكري بمصر وقع المنظّمون للحراك ضده في فخ التواريخ، فمن تاريخ إلى تاريخ يعلنون فيه أنه سيكون نهاية الانقلاب المترنّح، يخرج النظام العسكري منه صحيحاً معافى، ويخرج الثوار بإحباطات ومرارات ودماء سالت على الأرض، وشباب غيَّبتهم المعتقلات.

عبر التاريخ لم تحدث الثورات في تواريخ محددة مسبقاً، كانت أمراً عفويّاً وغير متوقع من الجميع، نعم لكل ثورة مقدماتها ودوافعها، ولكن الشرارة التي تشعلها تأتي دائماً بغتة، وتبقى مسؤولية انتهاز الفرصة السانحة لتوجيه الغضب الشعبي في عنق النخب والكيانات المؤثرة.

ولذا فتحديد المواعيد مسبقاً، وتعليق الآمال عليها، يصب في النهاية لمصلحة النظام العسكري؛ لأن صموده وعدم السقوط في الموعد المحدد يعتبر بمثابة هدف يحرزه في مرمى الثائرين عليه، وكل إحباط يصيب الثوار يعتبر خطوة إلى الخلف، وهزيمة نفسية كانوا في غِنى عنها.

الثورات عبارة عن مفاجآت، وإذا أردت أن تُفشل مفاجأة فحدد لها تاريخاً، وربما ظن المنظّمون للحراك سابقاً أن شحذ الهمم لموعد محدد كان يدفع بالعمل خطوة للأمام، ولكنهم لم يدركوا أن الإحباط الذي يصيب الشباب بعد تبدد أملهم في التاريخ المحدد يتراجع بالعمل خطوات إلى الخلف.

"الإحباط الحقيقي يحدث عندما تتعلق بأمل كاذب وتاريخ خادع ثم تتحطم كل آمالك على صخرة واقعه".

وعلى الرغم من ارتباطنا العاطفي والوجداني بثورة يناير في أساليبها، وفي روح الميدان الرائعة التي عشناها، فإن هناك حقيقة يجب أن نعيها جيداً هي:

"أن ثورة يناير التي نعرفها انتهت إلى غير رجعة"

انتهت في ظروف قيامها وتحالفاتها، انتهت في النظام الذي قامت عليه، والمجتمع الذي أفرزها، نحن الآن أمام واقع جديد ومغاير تماماً لثورة 25 يناير، مجتمعيّاً، وسياسيّاً، واقتصاديّاً، وإقليميّاً، ودوليّاً.

واقع جديد يفرض أساليب جديدة، وأفكاراً جديدة، تفشل معه طريقة الـ"COPY-PAST"، وطالما أن هناك إصراراً على نفس الأفكار، ونفس الأساليب المرتبطة بثورة 25 يناير فاعتبره إصراراً على الوهم أو الصعود نحو الهاوية.

فنظام السيسي الذي قتل الآلاف في الميادين غير نظام مبارك الذي سقط بالحشد الشعبي في الميادين.

وتنظيم الإخوان اليوم الذي أرهقه الاعتقال والقتل والتشريد والانقسام غير تنظيم الإخوان بالأمس الذي كان يعمل بكل طاقته متوحداً في بيئة ليس له فيها منافس حقيقي، والنخبة العلمانية اليوم غير نخبة ما قبل 30 يونيو/حزيران.

بل أقول إن تركيبة ونفسية شعب مصر اليوم غيّر تركيبة شعب مصر ما قبل انقلاب 3 يوليو/تموز، ويمتد الأمر إلى التغيرات الجوهرية في النظام الإقليمي والنظام الدولي.

انتفاضة 28 يناير "جمعة الغضب" كانت هبة شعبية حقيقية ومفاجأة للجميع.

ولكن لنكن واقعيين، فـ"يناير" نجحت فقط لأن العمود الفقري في النظام، وهو الجيش، تركها تنجح ولم يتدخل ضدها بآلته العسكرية؛ لأنها في النهاية ستصب في صالحه، وستُفشل مشروع التوريث لجمال مبارك.

فأي نجاح لثورة قادمة لن يتم بغير احتواء وتحييد للمؤسسة العسكرية أو انكسارها أمام قوى الثورة، بالإضافة إلى التوازن مع الإقليم والمجتمع الدولي، بأي شكل من أشكال التوازن.

ويجب أن نعي أن الثورة تواجه مجموعة من جنرالات البيزنس الذين يتعاملون مع الوطن بمنطق "السبوبة"، وأمام حفنة ضباط تقلدت مناصب الدولة، فمارست القتل الفردي والجماعي بأسلحة الدولة خارج نطاق القانون، وباعت أصول ومقدرات الوطن وثرواته وأراضيه ومياهه؛ لتضمن الرضا الإقليمي والدولي عنها، وبناء عليه، فلن يزحزح هذه الطغمة حشود الميادين فقط.

ليس معنى ما سبق أن الوضع الحالي في مصر غير مرشح للتغيير، بل على العكس تماماً، فكل المؤشرات تصب في صالح التغيير، ووقود الثورة يتراكم كل يوم نتيجة تصرفات النظام الرعناء، وأدائه الاقتصادي الفاشل، ولكنه ينتظر الشرارة، لكن كما أتت "يناير" على غير توقع من أحد، سيأتي القادم أيضاً على غير المتوقع.

فكلمة لسائق "توك توك" قام بتشريح الحالة المصرية "بالبلدي" هزت المجتمع والدولة، وكلمة لربة منزل في سوق الخضار كشفت عورة النظام وأزالت الزخم الإعلامي الممول بالمليارات لتزييف وعي الشعب؛ لأنها أتت بشكل بسيط وخارج نمط ثنائية "الإخوان والعسكر"، وهذا دليل على تهافت قوتهم الإعلامية.

فدولة الضباط تلفظ أنفاسها الأخيرة، وبنظرة عابرة على خطابات السيسي ستعلم حجم الملهاة التي تعيشها مصر على جميع الأصعدة.

أعلن السيسي في أحد خطاباته "مش هتنفع لينا ولا لغيرنا".

لا أبالغ إن قلت إن مقولة السيسي السابقة التي قالها عندما هدد بنشر الجيش في ست ساعات ستعتبر شعار المرحلة القادمة، فإن كان لمن يحلمون بالتغيير خطة فيجب أن يضعوا في حسبانهم خطط العسكر المضادة، بل لا أبالغ إن قلت إن خطة الإخوان "الإنهاك والإرباك" كان من عوامل فشلها الرئيسية عدم احتسابها ردة فعل النظام العنيفة والدموية.

وبعد فشلهم في التأثير والتوجيه الناعم من خلال أذرع الإعلام والحشد للمشاريع القومية الوهمية؛ لذلك ومن المتوقع أن يتم التوجه للتأثير الخشن، فالعسكر جاهزون بملفات الإلهاء التي ستجهض أي تحرك شعبي وثوري ضدهم، فالملف الطائفي الساخن مطروح على الطاولة، ويعرفون كيف يشعلونه، وملف داعش التي تخرج عندما يحتاجها النظام أيضاً متوقع ظهوره، وربما لو تمدد السخط الشعبي فلا تستبعد أن ترى على شاشات التلفزيون الرسمي مجموعة من الأشخاص الملثمين الذين يرفعون راية "العقاب" السوداء فوق أحد أبنية ديوان محافظة ما، وبعدها تخرج طائرات الرافال لدك معاقل الإرهاب في تلك المحافظة "والثوار من ضمن من سيتم دكهم بالطبع".

إذن ما شكل القادم؟

القادم لا يمكن أن يتوقعه أحد، لكن الدلائل تشير إلى أنه قادم، ربما سيكون ثقباً أسود يبتلع الجميع، أو طاقة من النور يسعد بها الجميع، ربما سيكون أسوأ، أو ربما سيكون الأفضل لشعب يئنّ منذ عشرات السنين تحت نير الحكم العسكري، لا يمكن لأحد أن يتنبأ بشكل القادم.

ويبقى النصر متوقفاً على سعي الراغبين في التغيير وتضافر جهودهم والتفاف الشعب حولهم، وقبل ذلك انتصارهم بمعركة الوعي قبل معركة الشارع.

ولا يجب إغفال العامل الإقليمي والدولي، وأظنه لم يعد في صالح العسكر الآن، بعد مواقفه المخزية من بعض حلفائه الخليجيين وارتمائه بأحضان الروس، ومن خلال هذه الثغرات يمكن إحداث تأثير لصالح التغيير.

فلا تتعلق بتاريخ محدد، ولكن ابذل ما في وسعك على أي صعيد تجيد البذل فيه، فبجهد هنا وبذل هناك تتجمع القطرات حتى تصبح مثل السيل الذي سيجرف هذا الكابوس الذي نحياه منذ وقع الانقلاب.

ولعل أهم العوامل الحاسمة هي السنن الربانية في الظالمين، فطغيان العسكر بمصر قد بلغ حدّاً غير مسبوق من تجرّؤ على سفك الدماء، وسجن الأبرياء، وتوزيع جائر لثروات الشعب، كل ذلك يصب في صالح التعجيل بزوال هذا النظام.

لأن الله قد يملي للظالم لكن إذا أخذه لم يُفلته.
فالإمهال الذي يمنحه الله للظالمين محدد المدة، وزوالهم سُنة إلهية، ولكن متى وكيف؟

ذلك تقدير الحكيم العليم.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.