المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد أجبار Headshot

كيف أرى العالم في سن التاسعة عشرة

تم النشر: تم التحديث:

على بعد ساعات من إتمامي تسعة عشر حولاً وعاماً من استنشاق الهواء على سطح هذا الكوكب، وقبل أن تبدأ مباركة الأصدقاء، أردت أن أجول داخل صندوقي الأسود، أتحرى ما بداخله من مواقف وآراء، أستقصي نظرتي لهذا العالم وأفك شفرة حياة تتشابك كل يوم، تزداد تعقيداً وتبتعد عن الهدوء والسكينة أكثر فأكثر، فكيف يرى شاب في التاسعة عشرة هذا العالم؟

لا بد أن تظن أن شاباً في هذه السن لا يحمل على كتفيه هموماً أو أحزاناً، لا يلتفت لما يجري ويحدث في هذا العالم، لا يفكر سوى في ما سيقوم به في عطلة نهاية الأسبوع، أي أغنية سيحمل، بأي فيلم سيقضي سهرته، متى سيذهب لصالة الرياضة؟ وفي قمة حالات جديته يركز قوى عقله ليفهم درساً رماه عليه أستاذه الجامعي، وتركه يتخبط وحيداً بين جبال من الأوراق.

في الواقع حضرتك تجانب الصواب، تجانبه فقط، تحيد عليه بملليمترات قليلة، قد تكون الغالبية فعلاً تنتهج ما ذكر لتحيا، بينما هناك من لا تشبع هذه الأفعال والتصرفات طموحه، لا يرضى بخفض رأسه والركوع أمام هذه العادات وحسب، لا أنكر أن ما ذكر يجول في خاطر الجميع، لكن ترتيبه يتغير على لائحة الأولويات.

في سن التاسعة عشرة تكون قد قضيت عاماً في عالم الرشد، لك ما لك من حقوق، وعليك ما عليك من واجبات، ينزل عليك قلم القانون وتصبح شخصاً عرضة للمحاسبة على أفعاله، تصوت في الانتخابات، تتحصل على رخصة السياقة وتفتتح حساباً بنكياً، تستقل جزئياً وتبتعد لتتم الدراسة الجامعية بعيداً عن قيود الآباء والمراقبة اللصيقة في المدارس.

في سن التاسعة عشرة يكون الشخص منتجاً جاهزاً طازجاً خرج لتوّه من مصنع متعدد الأقسام، مدرسة وأسرة ومجتمع نحتت شخصيته وأفكاره ووضعت توجهاً لها وحدوداً لاحترامها، سطرت خطاً تحريرياً قد يلتزم البعض، وقد يحيد عنه البعض الآخر، وتصبح لدى كل نظرته الخاصة لمختلف زوايا الحياة.

أول ما قد يجذبك وأنت تجول في منظور ذي التاسعة عشرة نظرته المقيتة لعالم السياسة، ذاك البحر المتسخ أسود اللون بسواد بزات فاعليه، بعبع في نظره يقبع في زاوية الحياة، يمسك بحبال يتحكم بواسطتها في الظروف والمحيط، لكنه ينأى بنفسه عن التدخل لتعديل أحد الحبال، يكره فيه الوجوه المتجعدة والخطابات المتكررة، لا يرى جدوى من تكرار نفس الحلول الفاشلة لحل نفس المشكلات، لا يستوعب ذاك الميدان ولا لما تتوارثه العائلات والأجيال، يعلم أن له يداً في كل شيء، لكنه يتجاهله؛ لأنه يعلم حقاً أن لا موضع له فيه.

في هذه المرحلة تنتج لدى الشاب الرغبة في كسب المال بنفسه، لإرضاء بعض رغباته الخاصة، وحتى يقلل من عبئه على أسرته، وفي زمن العولمة والنت أصبح الربح من على الشبكة أمراً مطروحاً على الطاولة بشدة لشباب يجالسون حواسبهم وهواتفهم أكثر من الأصدقاء والعائلة، يجدون أنفسهم داخل مجال الاقتصاد دون شعور، يتخبطون هنا وهناك، يعانون لجمع سنتات فقط لأنهم من دول لا تؤمن بالعولمة، بينما نظراؤهم هناك يلمون الدولارات بنقرات أقل، نعم الاقتصاد عالم ذئاب، كلنا نعلم ذلك بفضل الأسطوري دي كابريو وفيلمه (the wolf of wall street)، لكن الكسب والرغبة في الغنى يدفعه لتعلم أبجديات البورصة وقراءة الأحداث وتأثيرها على الأسهم؛ لأن نظامنا التعليمي وإن في شعبة الاقتصاد لم تعلمنا ذلك.

يبدو ميدان الإعلام حلماً في مرحلة الطفولة، الأضواء والشهرة، الأناقة والظهور على شاشة التلفاز، إحساس الميكروفون في اليد، وسماع تردد صوتك يرتفع في أنحاء متفرقة، نشوة يرغب الجميع ببلوغها، لكن فجأة تعلم أن الإعلام وسيلة لا غاية، أجندات تخدم في الخفاء، قد تتفاوت خطورة مبتغاها لكنها تتفق في تسطيرها للخط التحريري للإعلام، هذا جعل الشاب يهرب من التلفاز والراديو ليعبر عن نفسه بحرية في مواقع التواصل؛ حيث تكتب ما تريد أينما تريد ووقتما تريد، لخدمة مصلحتك الخاصة، لخوض النقاش مع الآخرين، هي نفس الرغبة في إيصال صوتنا للجميع، لكن دون قيود ولا ممرات مسبقة التحديد.. فأرجوكم لا تراقبوا منشوراتنا، لا تحاسبونا على تدويناتنا، فنحن فقط نكتب.

بين كل هذا وذاك لا بد من سلاح يملكه الجميع.. اللغة.. ربما نحن من بلغنا التاسعة عشرة الآن ترعرعنا مع تناقض لغوي كبير، فمن جهة العروبة وأنفة لغة الضاد، وهي التي تملك ما تملك ولا تحتاج لمن يثني عليها، ومن جهة أخرى وجوب تعلم لغات أعجمية للولوج للمنتج الثقافي العالمي والانفتاح عليه، وبينهما لغة عربية عامية بحروف أجنبية، لم تجد لها اسماً بعد لكنها المتقنة والمنتشرة في وسط الشباب، ولأن منظوماتنا التعليمية تتصدر التصنيف العالمي نظل دون إتقان لأي مما سبق، نتخبط بين الكلمات علَّها تصدر ما تختلجه الصدور والألباب.

وللخروج من الدوامة نلتجئ لعالم الرياضة؛ حيث نحاول الاستمتاع بما بقي من صفاء البشرية، حيث كانت الألعاب المتنفس الوحيد قبل أن تتدخل الاستثمارات لتشويه صورتها؛ ليصبح الفقير مطالباً بالغنى ليشفي شغفه لجلد يتدحرج فوق العشب، ونضطر إلى أن نبحث عن قرصنة وأساليب ملتوية للتغلب على خبث المستثمرين، فمن يعشق الرياضة لن يرضى فراقها بسهولة.

وعموماً باسم كل من بلغ التاسعة عشرة.. أود أن أؤكد أننا بدأنا لتونا الحياة، ما زال خزان طاقتنا ممتلئاً عن آخره، غير مستعدين للخضوع ولا التراجع، فإن كانت السياسة غابة مخيفة فسنظل نترصد أحداثاً تبدو بين أغصانها الكثيفة، وإن كان الاقتصاد ممتلئاً بالذئاب فإما أن نستذئب وإما أن نروض الذئاب، وإن كانت القراءة من سيعزز رصيد معارفنا، فاعلموا أننا سنعيدها موضة بين صفوفنا، واعلموا أننا إن عشقنا الرياضة فلن نستسلم لحقوق بثكم بسهولة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.