المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد أجبار Headshot

هل تنهي الحركات الانفصالية أسطورة الجهوية؟

تم النشر: تم التحديث:

يعيش العالم اليوم على صفيح ساخن، مجموعة من الأحداث المتوالية والمتسارعة، بعضها طغى على السطح دون سابق إنذار، بينما طُبخ الآخر على نار هادئة طيلة سنين، وحان وقت بلوغها قمة التوتر وأوج الصراع.

ولعل الحركات الانفصالية من أكثرها بروزاً في شهرنا الأخير، كيف لا وهي التي كثفت أنشطتها وشحذت أسلحتها وخرجت للعلن بخطوات كلها جرأة وإصرار و"قوة" من أجيل نيل ما تعتقده حقوقاً واجبة الحفظ والصيانة.

كيف لا وهذه الحركات نشطت في مختلف البقاع والقارات، وانبثقت من أوساط مختلفة ديمقراطية وديكتاتورية، ملكية وجمهورية، قوية وأخرى تعاني ويلات التفتت والانقسام، فهل يكون ذلك ناقوس خطر ينذر بفشل الأنظمة الجهوية؟

وكانت جل الدول -إن لم نقل كلها- ممن انطلقت في تجربة الديمقراطية حديثة كانت أو عريقة، كانت اعتمدت مبدأ التقسيم الجهوي كحل أمثل للاستفادة من كل أقاليم البلاد وكذا تقسيم الثروات بـ"عدل" على كل جهة انطلاقاً من احتياجاتها وخصائص كل منها.

واعتماداً على هذا النظام، تقسم الدولة ترابها الوطني حسب مجموعة من الاعتبارات التي تختلف من بلد لآخر، فإما أن يكون هذا التقسيم قائماً على المقومات الطبيعية للمنطقة (ساحلية، صحراوية، جبلية، غنية بالمعادن، بالنفط...)، وإما على مقومات تاريخية واجتماعية (مناطق عاشت فيها قبائل معينة، تتحدث لغة معينة، كانت ممالك صغير قبل أن تنضم إلى كنف الدولة...)، وإما غير ذلك من الأسباب.

كل هذا كنوع من تنزيل الديمقراطية لأرض الواقع وإعطاء انطباع لسكان هذه المناطق بأنهم أصحاب القرار في أقاليمهم.

وتعرف الجهوية عدة مستويات، إنما تظل أهمها وأكثرها تطوراً: الجهوية المتقدمة (المغرب مثلاً)، الحكم الذاتي (إسبانيا مثلاً)، والنظام الفيدرالي (ألمانيا والولايات المتحدة مثلاً).

حيث تعتمد الجهوية المتقدمة على تنازل السلطة المركزية عن بعض الصلاحيات الإدارية والمؤسساتية للجهة وتوفير كل المقومات اللوجيستيكية والاجتماعية اللازمة لضمان عيش كريم للسكان في كل جهة على حدة؛ حتى يتسنى لهم قضاء حوائجهم دون الاضطرار إلى التنقل نحو المركز أو جهات أخرى.

‎بينما في حالة الحكم الذاتي تتنازل السلطة المركزية عن جل صلاحياتها للجهة ذاتية الحكم وتعطيها الحق في تشكيل مؤسساتها السياسية الخاصة والمستقلة، شريطة أن تظل على تواصل وولاء للسلطة المركزية وتظل المنطقة تحت كنف ووحدة الدولة، وتقدم لها جزءاً من عائداتها؛ كي توزعه بشكل عادل على كل الأقاليم.

وتظل الأنواع المذكورة أعلاه لا تتحدث سوى عن دولة واحدة تتنازل عن صلاحيات لفائدة جهة من جهاتها، بينما يمكن اعتبار أن النظام الفيدرالي يعترف بتعددية الدول، وإنما اجتماعها تحت ما يسمى اتحاد فيدرالي.

‎وكما ذكرت سابقاً، فإن حركات انفصالية كثيرة ظهرت لتخرق هذه الاتفاقات مع الدول التي ترفرف أعلامها فوق أراضي هذه المناطق منذ أزل. وهي -على سبيل التعداد لا الحصر- أقاليم اللومبارديا الإيطالي، وبافاريا الألمانس، وأسكتلندا البريطاني، وكورسسكا الفرنسي، وولايات ألاسكا، وكاليفورنيا، وتكساس، وكارولينا الجنوبية وفيرمونت الأميركية، وكردستان العراق، وكاتالونيا الإسباني.

هذان الأخيران صعّدا من مطالبهما مع إعلان كردستان استقلالها قبل دخول الجيش العراقي ليُحكم سيطرته على المنطقة ويقبل قياديوها الحوار مع حكومة حيذر عبادي. في حين تبدو سبل الحوار بين كاتالونيا ومدريد مغلقة مع إصرار كل منهما على موقفه وتلويح مدريد بتفعيل المادة الـ155 من الدستور واستعادة صلاحياتها كافة في الإقليم.

تصاعد المطالب الانفصالية في العالم وتزايد شعبيتها بين سكان المناطق ذات الصلاحيات الموسعة- قد يكون دليلاً على فشل التوجه الجهوي وعدم توافقه مع التطور الحتمي لسياسات وأنظمة الحكم، فالظاهر أن التقسيم الذي كان الهدف الأسمى منه تقريب الشعب من الحكم وخدمة مصلحة كل إقليم على حدى حسب خصائصه ومقوماته، يبدو أن هذا التقسيم لم يكن سوى نتاج لمصالح فئات معينة، فقامت الدول بعزل الجهات الغنية عن أخرى فقيرة؛ حتى تمتص من ثروات الأغنياء عبر فرض ضرائب أكبر على جهاتهم وصرف جزء منها على الجهات الفقيرة اتقاءً لشَّرَهم وتجنُّب انتفاضهم.

في حين طالب مناضلون في السابق باعتماد نظام جهوي؛ تمهيداً لخطة بعيدة المدى تهدف للظفر بالاستقلال التام وبلوغ سدة الحكم، الشيء الصعب نيله في المركز.

ومن الواضح أن كل الأمثلة المذكورة سابقاً من جهات، لها أسباب مشتركة لطلب الاستقلال، وأكثرها تردداً هو قسوة النظام الجبائي، وعدم استفادة الإقليم من الثروة التي ينتجها، بينما أكثر المدافعين عن الوحدة والمعارضين للانفصال هم أبناء الجهات الفقيرة التي تستفيد -وإن بشكل غير مباشر- من أموال شقيقاتها الأغنى.

فهل حان الوقت لفقهاء السياسة ومفكريها أن يبحثوا عن بديل جديد يسهل توزيع صلاحيات الحكم وسُلَطه وثروات الدول على شعوبها دون الوقوع في مشاكل قد تفتت العالم بكامله إلى مجموعة من الدويلات ذات معتقدات شوفينية أنانية متعصبة؟

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.