المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد أبو رتيمة Headshot

الفرد العربي لم يولد بعد

تم النشر: تم التحديث:

في بلادنا تقابل فتيات يجهضن أحلامهن بأيديهن ويضعن حداً لطموحهن مقابل زيجة بائسة تفتقد الحد الأدنى من التوافق والرضا المتبادل، دافعهن الوحيد في ذلك ألا يسميهن المجتمع عانسات!

في بلادنا تسمع عن بيوت خربة من الداخل ليس لها من الحب والتفاهم نصيب، ومع ذلك يواصل الزوجان حياة النكد والشقاء ويضيعان عمريهما دون تذوق طعم الحياة، لأن المجتمع قرر أن الطلاق حرام مهما كان الوفاق غائباً.

في بلادنا تسأل شباباً عن دوافع التحاقهم بالجامعة فلا يكون الجواب إنها الرغبة الذاتية في التعلم والشوق إلى المعرفة، إنما لأن اسم الجامعة يجلب سمعةً اجتماعيةً حسنةً.

في بلادنا تجلس مع مثقفين فيسمعونك آراءً ثوريةً في نقد الأوضاع العامة، ثم تفاجأ بعد ساعات أنهم أنفسهم يكتبون في المنابر العامة مدغدغين عواطف القراء، فتتعجب ما الذي أوجد الازدواجية في نفوس نخبة المجتمع؟ ولماذا ينسون بسهولة رسالتهم المتمثلة في نقد الواقع وتحسينه لا في مجاملته! فيأتيك الجواب إنه التصالح مع رغبات جمهور وسلطات لا يرحبون بالإضافة التي يقدمها أصحاب العقول المستقلة بل يبحثون عمن يبيعهم الوهم ويسمعهم ما يرضيهم من الثناء!

تشبه أحوال مجتمعاتنا المصنع الذي يصمم قالباً واحداً لإنتاج ملايين النسخ المكررة من نفس المنتج، ومن غير المسموح أن تخرج أي نسخة عن المقاسات المحددة مسبقاً. كذلك هي مجتمعاتنا تريد ملايين النسخ البشرية التي تعتنق نفس الأفكار وتعيش بطريقة واحدة في الحياة، تبدأ الدورة الإنتاجية للفرد عندنا منذ تفتح وعيه على هذه الحياة فيعبئه والداه بأحكام نهائية وإجابات جاهزة: هذا مسموح وذاك ممنوع، هؤلاء خيرون وأولئك شريرون، فإن تساءل قيل له: هذه هي الحقيقة، هكذا يفعل كل الناس، دون أن نسمح له برحلة بحث ذاتية يصل فيها إلى اليقين بنفسه بعد الشك والتساؤل.

إننا نظن أن أي تساؤل أو خروج عن القوالب العامة يمثل تهديداً للمجتمع، وما ذلك إلا لأننا مجتمعات خائفة ضعيفة، أما المجتمعات القوية فتؤمن بأن لكل فرد جوهره المتميز وقدرته على الإضافة النوعية بما يزيد هذه الحياة ثراءً وجمالاً فتصبح جنةً باسقةً فيها من كل الثمرات ومختلف الألوان.

حين أحدث الناس عن مفكر جديد اكتشفته أو كتاب خلصت منه بفائدة كثيراً ما يكون السؤال الأول: إلى أي مدرسة ينتمي هذا الشخص؟، هل هو إسلامي- ليبرالي- يساري- علماني؟ هل هو شيعي أم سني؟ لماذا نحن مضطرون إلى التعامل مع الأسماء عبر تصنيفات مسبقة؟ لماذا نعجز عن فهم الإنسان بأنه نسيج وحده، لماذا نظن أن كل واحد في هذا العالم قد تم احتواؤه داخل إطار صارم!

إننا لم نكتشف القيمة الجوهرية التي يعنيها أن يكون لكل واحد منا اسمه المتفرد واختياره الحر المستعصي على الاحتواء والإذابة.

إن مجتمعاتنا العربية لا تزال محكومةً بعقل جمعي يُسيِّرُها بخطوات بطيئة متثاقلة ومرتابة من كل جديد، أما العقل الفردي فلا نزال غير واثقين به، نظن أنه يمثل نشوزاً وشقاً لصف الجماعة فنسارع إلى محاصرته والتضييق عليه وإجهاض بوادره.

ميلاد العقل الفردي ضرورة لأنه أذكى من العقل الجمعي وأكثر مرونةً وأقدر على المغامرة واستكشاف الجديد. الإنسان في لحظة صفاء روحي يومض عقله بالإبداع وفي ساعة إنصات لندائه الداخلي يكتشف كثيراً من الحقائق المحجوبة بفعل ضجيج الحياة، في ساعات الخلوة مع الذات تحيد كل عوامل الضغط المجتمعي، ويرى الإنسان صورةً خارجيةً متكاملةً، أما العقل الجمعي فتستنزفه مشكلاته وعقده ومخاوفه على أصنامه الموروثة التي رسخ الآباء والأجداد بنيانها عبر مئات السنين، فغدت مقدسةً لذاتها دون اعتبار مدى كفاءتها في مواجهة التحديات المستجدة. إن العقل الفردي أكثر تحرراً من قيود الماضي ، وأكثر اقتراباً من مقتضيات الحكمة والمصلحة والفاعلية التي تنطوي عليها الأفكار التجديدية.

تعويد المجتمع أفراده الاعتماد على أنماطه الجاهزة والالتزام بمعاييره يعني أن هذا المجتمع قد أفقد الفرد ثقته بنفسه وقدرته على تحمل المسئولية، وهو ما يقود إلى نشأة فرد استهلاكي عاجز عن المبادرة والإضافة، غير قادر على التفكير الطبيعي فضلاً عن التفكير الإبداعي.

تدفع المجتمعات العربية ثمناً باهظاً لتغييب الفرد، ليس بحرمانها من الإبداع وحسب، بل بحرمانها من معنى الحياة، إن الذي يعيش في مجتمعات شمولية لا يذوق طعم الحياة لأنه لا يعيش متصالحاً مع جوهره المتفرد وتوقه الداخلي للانطلاق وتحقيق الذات، بل وفق ما يريده الناس منه ويراعي في كل صغيرة وكبيرة إرضاءهم، فإذا اجتمعت في وقت واحد في نفسه رغبته الداخلية المعبرة عن ذاته ومعايير المجتمع أجهض هذه الرغبة وقتلها حتى لا يخسر رضا المجتمع الذي يمده بالحماية وبالأمن، ولأنه مجتمع لا يؤمن بالطبيعة الطيفية المتعددة للحياة فإنه يجعل معيار الرضا مدى تقيد الفرد بقوالبه والتزامه الحديدي بطرائقه ومألوفاته.

أشعر بأن القرآن يحررني وينتشلني من محاولات الاحتواء والإذابة. القرآن يدعوني إلى الشجاعة في اتخاذ قراري: "وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً"، ويزهدني في سلطة المجتمع: "إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً"، "ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير". لقد كان أكبر حائل بين الأمم واهتدائها إلى الحق هو سجن الأفكار الجمعية التي قدستها فلم تقبل بمناقشتها: "إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون"، لذلك يدعو القرآن الأفراد إلى مغادرة تأثير المجتمع والخلوة مع الذات من أجل الاهتداء إلى الحق والاستماع للنداء الداخلي: "قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا"..

مجتمع يحكمه النمط الواحد والرأي الواحد ويقاوم محاولات أفراده للتعبير عن شخصياتهم المتفردة هو مجتمع يكرر نفسه برتابة ولا يستطيع تجاوز أفكاره النمطية مهما تسببت له هذه الأفكار من أزمات، أما المجتمع الذي يؤمن بحق كل فرد في أن يفكر بحريته وأن يختار وجهته في هذه الحياة دون ضغط وإجبار فهو مجتمع تتضاعف فرصه في ولادة أفكار إبداعية تساهم في ميلاد غد أفضل..