المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد أبو رتيمة Headshot

لماذا يموت الأطفال؟

تم النشر: تم التحديث:

أسرع الأب على وقع ارتطام مدوٍّ خارج البيت، لتقع عيناه على طفله البكر ذي الأعوام الستة مضرجاً في بركة من دمائه ورأسه محطمة بعد أن سقط من أعلى البناية.. صرخ الأب مذهولاً: إسعاف، إسعاف.. حمل طفله في سيارة جاره واستحلفه بكل ما تستطيعه النفس البشرية من انكسار ورجاء: أسرع، الطفل يتنفس، قلبه لا يزال ينبض، يداه تتشبثان بيدي كأنه يستنجد بي.. بعد دقائق مرت كأنها الدهر أدخل الأطباء الطفل إلى قسم العناية المكثفة، كان على الأب أن ينتظر اثنتين وسبعين ساعةً ليقرر الأطباء إن كان هناك أمل في نجاة الطفل، هنا توقف الزمان كليةً، كل ساعة بل كل دقيقة تمر كأنها الدهر جاثماً على صدر الأب المفجوع، ينظر في الساعة، يمسك هاتفه يعيد الاتصال مرةً إثر مرة: ألا توجد مبشرات، أعطوني أملاً؟ هل سجلتم حالات سابقةً نجا فيها مصابون في مثل هذه الحالة الحرجة؟ هل يمكن أن تختصروا وقت الانتظار؟ يذرع باحة المستشفى مجيئاً وذهاباً، يعود إلى المنزل قليلاً بعد إلحاح الأطباء، يصافحه الأقرباء والأصدقاء محاولين مواساته، بينما هو ذاهل عنهم، عيناه زائغتان، ينادي طفلته مستنطقاً إياها بالأمل: سيرجع شقيقك أليس كذلك، ستلعبان سوياً، رتبي غرفته واجمعي ألعابه، يشخص بصره نحو السماء، يا رب، ابني فلذة كبدي، قطعة من فؤادي، ارفق به يا رب، طفل بريء يا رب، ماذا فعل في حياته، من سيجري نحو باب البيت بعد اليوم ليحتضنني حين أعود في المساء، من سيرافقني كل جمعة إلى الصلاة؟ من سيخاطبني بعد اليوم بابا، أريد لعبةً فأحضرها له بكل سعادة، آآه يا رب أعلم أنه وديعتك لكنه قطعة من قلبي.

في نهاية المطاف لا بد من مواجهة ساعة الحقيقة مهما كان إيلامها شديداً، يأتي الخبر الذي لا يحتمل الإخفاء: عظم الله أجركم، احتسب واصبر، لله ما أخذ ولله ما أعطى وكل شيء عنده بمقدار..

لطالما كان مشهد موت الأطفال من أقسى مشاهد الحياة على قلبي، كل مشاهد الحروب والدماء والدمار على بشاعتها لا يعدل تأثيرها علي مشهد طفل يلهو ويضحك في هذه الحياة ثم يدهمه القدر فجأةً فتنطفئ ضحكته وينازع قسوة الموت ويترك في قلوب والديه وأحبابه لوعةً لا تداويها الأيام.

لماذا يموت الأطفال؟ سؤال وجودي كبير لا يستهين به إلا أصحاب القلوب المتصخرة والعقول المعطلة، سؤال قصر عن بلوغ نهايته كثيرون فاستسلموا للإلحاد أمام هذه المعضلة الكبرى: كيف يستقيم لإله رءوف رحيم أن يقدر للأطفال نصيبهم من الألم والمعاناة، وهم لم يعرفوا بعد معنى الحياة؟ سؤال لا تكفي لمواجهته إجابات عجلى جاهزة، فمن أجهدهم العطش الروحي بحثاً عن نهر الطمأنينة لن يرتضوا بإجابات فاترة تفتقر إلى الشعور العميق، لا بد للإنسان في طريقه نحو الطمأنينة أن يمر بمراحل من الحيرة والشك والقلق المعرفي، لا بد أن يضنيه السؤال لأن الذين لا يحسنون إلقاء الأسئلة لن يكونوا قادرين على سماع صدى الجواب.

السائرون في طريق إبراهيم -عليه السلام- لا تخيفهم الأسئلة الكبرى: "رب أرني كيف تحيي الموتى"، فهم يعلمون أن السؤال والبحث المضني طريق الطمأنينة: "ليطمئن قلبي"..

يستفزني الزائفون الذين يظنون أن من أمارات الورع أن نكف عن الأسئلة التي تراود نفس كل إنسان طبيعي، فيسارعون إلى زجرك وتحذيرك من الإلحاد، وما علموا أن السؤال حياة، والتوقف عن السؤال موت وضمور، ومن لم يراوده الشك فلن يلامس اليقين: "نحن أولى بالشك من إبراهيم".

قلت لصديقي الملحد ذات مرة: إن مثل هذه الحياة كمثل قطعة البازل التي تعجز عن تبين ملامحها، فإذا وضعتها في موقعها الصحيح من اللوحة الكاملة تبينت لك حكمة الفنان وروعة جمال رسمه، كذلك هي حياتنا القصيرة نعجز عن تبين أوجه الحكمة في بعض أحداثها حين ننزعها من سياق عالم آخر أكثر اتساعاً وكمالاً، وإذا كان قانون الرياضيات يخبرنا بأن قسمة أي عدد على اللانهائي تؤول إلى الصفر، فإن أي ألم أو متعة في هذه الدنيا حين نقارنه بالحياة الأبدية في الآخرة كأنه لم يكن، فكل هذه الأحزان والآلام والفواجع التي تكبر في صدورنا سننظر إليها من موقع آخر في هذا الوجود بأنها مرت كلمح البصر.

قال صديقي الملحد: هذا كلام تخديري يخاطب عواطف البسطاء دون أن يقدم برهاناً علمياً مقنعاً، قلت له: ما رأيك أن نعمد إلى المنطق العملي حجة بيني وبينك، إنني أوافق على فرضية الإلحاد منذ الساعة إن كانت ستنهي مآسي البشرية وتصنع الأمن والسلام على هذه الأرض! لكن واقع الألم والكبد الذي يعايشه الإنسان سيظل قائماً في جميع الأحوال، ونحن أمام هذه الحقيقة القاهرة أمام طريقين: إما أن نضع فرضية الإلحاد فيفقد الناس أي أمل في العدالة والسلام وتتحول الحياة إلى عبث ويأس مدمر، وإما أن نضع فرضية الإيمان بإله حكيم رحيم عليم سيجمع الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم فيكون هذا الإيمان عوناً في الصبر على قسوة الحياة ومنح الأمل والشعور بالمعنى والطمأنينة.

إلهي أعلم أنك لا تضيق بأسئلتنا وحيرتنا وتوقنا إلى اليقين والطمأنينة، لكن فريقاً من المنتسبين إليك حرموا علينا السؤال وزعموا أنك تريد منا إيماناً أصم وأعمى وأبكم، سبحانك ربنا وتعاليت عما يصفون..