المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد أبو خليل  Headshot

الهجرة من وإلى التدوين .. مسيرة عقد من الزمان

تم النشر: تم التحديث:

فى البدء كانت المدونات، ذلك العالم الذى أصبح لعشرات الشباب المصرى بسببه صوتا مسموعا، فى ذلك التوقيت قبل عقد من الزمان، كان التعبير بالأفكار على موعد مع طفرة حقيقة، عرف الشباب لأول مرة كيف يوصل صوته لزملائه ويقرأ أفكاره المئات ويعلقون عليه أيضا فى مساحات مجانية استضافتها مواقع "البلوجر" و "وورد برس" و "مكتوب" و "جيران" فى ذلك الوقت.

بالطبع كانت المنتديات أقدم ومتاحة فى فضاء الإنترنت من قبل، لكن عالم المنتديات كان واسعا ومتنوعا، بداية من منتديات "أهل الحديث" إلى "فتكات" وبينهما ما يسع كل اهتمامات الشباب حديث عهد بالإنترنت، وقد شكلت بعض المنتديات شبكات العلاقات الأولى بين شباب جيل الثورة فى مصر، كمنتديات "شمساوى" و "كل الطلبة" التى كونت شبكات طلاب جامعتى القاهرة وعين شمس خاصة فى الوسط الإسلامي، أو منتدي "شبكة الروايات التفاعلية" الذى كون شبكة الشباب المثقف الصحفيين والروائيين فيما بعد.

يمكننا القول أن المدونات كانت أكثر تماسكا من المنتديات، فالمدون فى الغالب ناشط سياسى أو مشروع أديب، يكتب نصوصا طويلة بغية الانتشار والتأثير، ولم يتم اكتشاف قوة المدونات فى التأثير بشكل حقيقى إلا مع انتشار "كليبات" التعذيب على مدونة "الوعى المصرى" فى 2007، حيث كانت هذه هى الحداثة التى لفتت الأنظار إلى قوة عالم المدونات .

الوعى المصرى، علاء ومنال، دماغ ماك، ما بدا لى، ياللاى، بنت مصرية، أنا إخوان، يالا مش مهم، مش هنبطل، انسى، أمواج التغيير، العميد ميت، المؤرخ، ربة السيف والقلم، عاوزة أتجوز، مطبات، غريب، حكاواتى الصورة، حفار القبور، أنا إنسان ... كل هذه عناوين مدونات أصحابها الآن على رأس حركات سياسية وحزبية، أو كتاب وصحفيون ذائعو الصيت، أو مخرجون وروائيون ذو باع، أو بالطبع معتقلون سياسيون.

كان من الطبيعى فى 2007 أن يقدم الشاب منا اسمه بـ المدون فلان الفلانى، أو يزيله بـ "ناشط ومدون"، اتسعت حركة التدوين، وتنوعت أطياف المدونين من كافة التوجهات السياسية، ووصلت ذروتها بين عامى 2008 و 2010، وعندما بزغ نجم "الفيسبوك" ومواقع التواصل الاجتماعى كان الشباب فى البداية يكثرون من كتابة التدوينات (nots) أيضا من حساباتهم الشخصية على الفيسبوك، إلا أن هل 2011 فكان الزخم قد اكتمل على مواقع التواصل الاجتماعى وتوقف معظم المدونين عن تحديث مدوناتهم مكتفين بصفحاتهم الخاصة على المواقع الجديدة.

الدور الذى لعبته وسائل التواصل الاجتماعى فى ثورات الربيع العربى جعلها محط الأنظار منذ نهايات 2011، وجذب إليها قطاعات هائلة من المصريين والعرب عموما، ليس فقط الشباب المسيس أو المثقف وإنما الشباب المتعلم بشكل عام، وليس الشباب بشكل عام وفقط وإنما أيضا كافة شرائح المجتمع وفآته العمرية.

استمر شباب المدونين فى تأدية مهامهم على مواقع التواصل الاجتماعى، كونوا فى البداية عدد من المجموعات المفتوحة قبل أن تظهر الصفحات، وعندما ظهرت الصفحات كونت المجموعات المختلفة صفحات تعبر عنها وتحشد وتؤثر من خلالها، وعندما فتح الفيسبوك المتابعة للأشخاص اهتم النشطاء وأصحاب الرأى بحساباتهم الشخصية أكثر وبثوا من خلالها العديد من الأفكار.

لم يمر الكثير من الوقت حتى أدرك أصحاب "السلطة" وأصحاب "الثروة" فى مصر والعالم العربى بشكل عام قوة "السوشيال ميديا" فبدئوا يتحسسون هم أيضا الطريق إليها، وفى غضون عام أو اثنين أصبحت الشركات الكبرى والعلامات التجارية والوزارات والهيئات والشخصيات الحكومية والقنوات الفضائية والصحف القومية والخاصة بل وحتى الجهات الأمنية من الجيش والشركة وربما الأجهزة المخابراتية .. أصبح كل هؤلاء لديهم حسابات على الفيسبوك ويدفعون كل يوم آلاف الدورلارات من أجل الترويج لها !

لم يعد يشعر النشطاء بأن الفيسبوك أصبح عالمهم الذى صنعوه، بل ربما انقلب السحر على الساحر، وأستطاع تحالف الإعلام التقليدى جناح البرامج التلفزيونية، مع السوشيال ميديا أن يشكل أهم أدوات الثورة المضادة، والتى ظهرت بشكل فج فى مصر فيما تلا الثلاثين من يونيو .

كان الفيسبوك قبل هذا التوقيت بعام أشبه بساحة رأى كبيرة، عندما تجاوز عدد الذين ينوون الحضور حاجز العشرة آلاف فى فعالية " ٢٥ يناير: ثورة مستمرة على الظلم والتعذيب والفقر والبطالة" التى أنشأتها صفحة" كلنا خالد سعيد" قلنا أن الساحة قد كبرت وأصبح الصوت مسموع فى مساحة واسعة من الشباب .

لكن بمرور الوقت تحول الفيسبوك من ساحة الرأى الكبيرة هذه إلى الشارع العام، الشارع الذى ليس له حدود كساحتنا القديمة، الشارع الذى قد لا يسمع من فى أوله الفكرة التى فى آخره، الشارع الذى يفتح كل شخص أو كل فئة ناصية عليه وينادى فيه على ما بدا له من بضاعة، الشارع الذى أصبح كل شىء فيه مشاع وممتهن ومعرض للصعود به إلى السماء السابعة والنزول فورا إلى أسفل سافلين، الشارع الذى لم يعد هناك مكان فيه للمصداقية ولا للخصوصية ولا للآداب العامة ولا حتى للمنطق فى الآراء والمنطلقات.

كان بعضنا قد راهن على الجماهير العريضة، الجماهير التى لم تعرفنا من قبل، الجماهير التى عرفت فقط أبواق الإعلام والسلطة القديمة وتربت على موائدهما طوال هذه السنين، هذه الأبواق التى ضحكت عندما عرفت أننا راهنا على جماهيرها، فقررت أن تكمل المقامرة وراهنت أيضا عليها، ففازت هى بالطبع فى نهاية المطاف، وخسرنا نحن !

لم يعد الفيسبوك ولا وسائل التواصل بشكل عام من المساحات المحببة للكتاب والنشطاء، بعضهم هجر الفيسبوك إلى تويتر الأقل صخبا، والأكثرية وجدت فى مساحات المواقع الجديدة التى نشأت بعد موجات الثورة المضادة الملاذ الآمن لاستكمال رحلتهم.

نون بوست، ساسة بوست، مصر العربية، عربى 21، كسرة، نون، أراجيك، قُل، زائد 21، التقرير، بوابة يناير، مدى مصر، العربى الجديد ... كلها مواقع جديدة فتحت الباب لعشرات الكتاب والصحفيين الشباب لاستئناف مسيرتهم، ولآخرين لم يكن لهم خبرة فى عالم المدونات جنبا إلى جنب مع زملائهم أيضا، بعض هذه المواقع توسع فى مساحات الرأى كساسة بوست، بعضها تميز بالتحقيقات الصحفية كمدى مصر، أو المقالات المعرفية كالتقرير، أو الشأن الدولى والتحليلات السياسية كعربى 21، لكن فى النهاية معظمها يعتمد على شباب شارف على الثلاثين عاما أو تجاوزها بقليل.

تجربة الكتابة الشبابية فى مواقع الإنترنت كانت لها سابقة فى 2011 أيضا، عندما انطلق موقع "الجزيرة توك" بإشراف غير مباشر من شبكة الجزيرة، وبعدها كانت كانت هناك أيضا تجربة قصيرة لموقع عشرينات، لكن الزخم الحقيقى للمواقع الإلكترونية كان بعد 2013 إثر موجات الثورات المضادة فى العالم العربى .

هرب الكتاب الشباب سريعا من الشارع وآوو إلى ساحة أخرى لا تستخدم الشارع إلى بقدر الانتشار والتسويق لمنتجاتها، لكنها لا تستغرق فيه، أصبح استخدام الفيسبوك ربما قاصرا على الملاحظات السريعة على الأحداث بشكل انفعالى، أو التعليق الساخر فى الغالب على مظاهر الحياة الاجتماعية والسياسية بشكل عام فى البلاد.

إنها الجدلية المستمرة فى عالم التأثير وتغيير الأفكار، ما مساحة الفكرة التى يمكنها الانتشار بين الأفراد ؟، هل هناك أفكار لا تصلح سوى لألف شخص، وإذا آمن بها 100 ألف تصبح فكرة مشوهة وغير فعالة؟ هل تقنتع الجكاهير بالأفكار ثم تجبر الحكومات عليها، أم أن النخب الاجتماعية والثقافية عليها فقط أن تكوّن الكتلة النوعية الحرجة من المؤيدين لأفكارهم ثم تستخدم الجمهور فقط كأداة للتغير؟ هل تسبق الثورات تدفق هائل فى الفكر والأدب والفلسفة ينتج الحركة الثورية؟ أم يكون هذا التدفق لاحقا لها حتى يكون مقوّما ومكملا لمسيرتها؟ متى يكون الكلام مجرد تنظير لا علاقة له بالحركة ومتى يكون توعية وتثقيف لازم للأفراد والجماعات فى سعيها بين أفراد المجتمع؟

كل هذه أسئلة حاولت كتابات عقد من الزمان ( من 2005 إلى 2015) لجيل من الشباب أن تجيب عليها، ولعل حركة الكتابة والتدوين الحالية أن تكون بالفعل إعادة لتشكيل الوعى بعد تجارب حقيقة لثورات كبرى هزت دولا وعروشا ودُفع ثمنا دمٌ ونارٌ .. فإن الدم والحبر عندما يمتزجان يصنعان قوة هائلة لا يستطيع تحالف السلطة والثورة أن يفلها