المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد أبوبكر Headshot

السفر عبر الطبقات

تم النشر: تم التحديث:

يتنقل الملايين يومياً عبر الأماكن ويحلم الكثيرون بالسفر عبر الزمن، لكني في ذلك اليوم سافرت عبر الطبقات، نعيش في دوائرنا محكمة الإغلاق وتتكرر أيامنا بدوريتها المملة والمريحة، وندور في فلك أنفسنا دون تغيير، هل سافرت يوماً بالقطار ناظراً حولك في لا مبالاة؟ هل أدركت أن شريط السكة الحديدية يقطع بك أرضاً عن يمينها وشمالها ملايين الأشخاص بحيواتهم المختلفة تماماً عنك؟ يدورون أيضاً في فلك أنفسهم ويمارسون أنشطتهم الدورية التي لا تدرى عنها شيئاً.

كنت منذ أسابيع قليلة في طريق عودتي من الإسكندرية إلى القاهرة، ولأني دائم السفر بينهما بالقطار -وسيلتي المفضلة- قمت بتحميل تطبيق "قطارات مصر" على هاتفي لأتمكن من معرفة مواعيد الرحلات.

أنهيت بعض الارتباطات وبمراجعة التطبيق تبين أنه يمكنني اللحاق بأحد قطاري الساعة التاسعة والنصف أو العاشرة مساء، يطلب التطبيق معرفة محطتَي القيام والوصول ودرجة القطار الذى تريده، ولأنه كان الاستخدام الأول لي فلم أنتبه لخانة درجة القطار، فكان من الطبيعي أن ألحق بقطار التاسعة والنصف لأصل القاهرة عند منتصف الليل.

أقلني أحد الأصدقاء إلى محطة الإسكندرية قبيل تحرك القطار فهرولت إلى رصيف القيام، لاحظت أن عربات القطار ليست كمثيلاتها في القطار الذي أركبه عادة، ظننت أن هذه عربات الدرجة الثانية -الأدنى- التي تكون عادة في المؤخرة، مددت الخطى في همة إلى المقدمة لألحق بعربة أفضل، وصلت إلى العربة الأولى ولم يتغير شيء فكل العربات متماثلة، لا بأس فأنا ذاهب لبيتي.

يمكنني القول إنني سافرت بمختلف وسائل المواصلات في عدة بلدان ولست ممن يتأففون من مقاعد الدرجة الاقتصادية، كل ما يهمني أن يكون بتلك الوسيلة متسع لجسدي؛ حيث لا تناسبني المقاعد الضيقة آسيوية التصميم! وضعت حقيبتي بجواري ممنياً نفسي بقسط من النوم بعد يوم طويل، أتاني مُحصل التذاكر:

هو: نازل فين؟
أنا: القاهرة إن شاء الله.
هو: عشرة جنيهات.
أنا: تفضل..

فوجئت بثمن التذكرة يبلغ عُشر تذكرة قطاري المعتاد، زالت دهشتي بعض الشيء عندما سمعت المُحصل يطلب من راكب آخر جنيهين ونصف الجنيه ثمن الركوب إلى دمنهور، أربع محطات توقف دمنهور - طنطا - بنها - القاهرة وكل محطة ثمن الركوب إليها جنيهان ونصف، إنه نظام عادل، هكذا خاطبت نفسي قبل أن أتوسد كفي لأنام. لم تمضِ عشر دقائق حتى انطفأت الإنارة داخل القطار وأصدر الجرار بعض الأصوات قبل أن يقف تماماً.

توقف القطار للمصادفة على تقاطع لمرور السيارات وأغلقه بالكلية، مضت الدقائق متباطئة ولا أحد يعلم ماذا يحدث واختفى مُحصل التذاكر رغم أنه كان في الجوار وبعد قرابة نصف الساعة تحرك القطار عدة أمتار للخلف مفسحاً الطريق أمام السيارات، كانت العربة معتمة تماماً إلا من أضواء البنايات المجاورة لنا، لا أدري أين نحن تحديداً وهل يمكنني النزول من القطار والسفر بسيارة أو حافلة، لم نبتعد كثيراً عن المحطة لكن الأمر سيكلفني السير في الظلام لنصف ساعة ومعي حقيبتي.

قررت الانتظار ولكَم أبغضه، لكنه كان الاختيار الأفضل أو الأوحد، الكل يجلس في مكانه في تسليم تام يحسدون عليه، بينما ألوم نفسي لأني لم أركب قطار العاشرة الأفضل حالاً، تنبهت بابتسامة عريضة أن قطار العاشرة خلفنا يعجز عن استكمال رحلته بسبب قطاري العزيز، تلاشت أفكار اللوم وحلت مكانها سكينة الرضا تدريجياً.

مرت ساعة ولا أحد يتكلم حتى شق السكون صوت قطار آخر، إنه قطار العاشرة نجح أن يفر من المصيدة المُحكمة وأتى على السكة العكسية، ذكرني بتكتيكات اصطياد الدبابات في الممرات الضيقة، حيث تتم إصابة الدبابة الأولى والأخيرة وبعد إحكام تلك المصيدة يتم تدمير بقيتها تباعاً وبسهولة، انتشلت نفسي من تلك الأفكار وأمسكت بحقيبتي مبتسماً لأستعد لنقلنا جميعاً إلى قطار العاشرة، حلم الوصول للبيت يقترب وساعة تأخير أمر بسيط.. جاوزنا قطار العاشرة مستكملاً رحلته بلا توقف غير مبالٍ بنا ولا بأحلامي الساذجة.

أربعون دقيقة رتيبة أخرى، انتشلنا منها جرار النجدة الذي أتى؛ ليستكمل الرحلة بالقطار بعد قرابة ساعتين من التوقف.

الحمد لله، اتخذت وضع النوم مرة أخرى بعد أن بدأ القطار في التحرك بجراره الجديد. يُقال إن التاريخ يعيد نفسه، في هذه المرة كانت دورة التاريخ من السرعة بمكان أن توقف القطار وأظلم مرة أخرى وبنفس الكيفية قبل الوصول لدمنهور محطة التوقف الأولى! أن تمر بنفس الموقف مرة أخرى كان أمراً محبطاً فوق العادة، استنفد عقلك كل حيله ودفاعاته في المرة الأولى، نظرت للأشباح من حولي جالسين في هدوء، وكأنها لعنة الانتظار أصابت القطار لتعلمني رغما عني. يجلس أمامي شاب ريفي وأمه، يتمتمان بلهجتهما الريفية إلى أن رن هاتفه وأخذا في الكلام مع الطرف الآخر في محاولة للتسلية، كانا يتحدثان بصوت عالٍ مما أزعجني، لكن بعد فترة تنبهت إلى أن كلامهما هو وسيلة التسلية الوحيدة لهما ولي في واقع الأمر، اندمجت في الحوار حتى مرت قرابة ساعة أخرى!

وفى مشهد بدا ساخراً، أتى جرار نجدة ثان،ٍ تذكرت فيلم ألف مبروك للفنان أحمد حلمي؛ حيث يتكرر يومه بنفس التفاصيل حتى يموت في نهايته ليصحو في اليوم الجديد ويعيد الكرة بنفس الأحداث. قام الجرار الأجدد بسحب القطار وعادت الإنارة، وصلنا إلى دمنهور وبدأ حلم الوصول للبيت يتمايل مرة أخرى، مر نصف ساعة ودون سابق إنذار انقطعت الإنارة للمرة الثالثة! لم تعد الإنارة مهمة بأي حال، لكن في كل مرة تنقطع يتعطل الجرار. كرهت نفسي وتطبيق القطارات وفيلم ألف مبروك! لكن من لطف الخالق أن الجرار لم يتوقف، أكمل رحلته دون إنارة فقط.. فليحيَ الظلام ما دام يحملني لبيتي.

أقبلنا على طنطا، بدت وكأنها أرض المحشر، أعداد لا نهائية من البشر يهتفون فرحاً في صوت واحد بقدوم القطار، بدا الأمر مشابهاً لصيحات الحروب في القرون السابقة أو هتاف الجماهير عند إحراز النادي الأهلي هدفاً في الدقيقة الأخيرة! زال العجب لاحقاً عندما علمت أن اليوم -تحديداً- كان اليوم الختامي لمولد السيد البدوي وأن هذه الجماهير انتظرت قطاري لمدة ثلاث ساعات وها هو يأتي! تدافعت الجماهير إلى داخل العربة ولم يخلُ الأمر من ارتطامها فرداً فرداً بسيدة كبيرة ساقها قدرها أن تحاول النزول في هذا التوقيت، اكتظت العربة براكبيها الذين تسلقوا مقاعدها وصولاً إلى أرفف الأمتعة فوق رؤوسنا وامتلأت المقاعد والمسافات بينها بالبشر، إذا كنت في يوم المحشر فلا تتذمر من الزحام.

أكمل القطار رحلته إلى بنها وخفف من حمولته بعض الشيء، وفي إصرار يشكر له أتم رحلته إلى القاهرة. وطئت قدماي رصيف المحطة في الثالثة فجراً، ودخلت بيتي في الثالثة والنصف. تعلمت في تلك الرحلة أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي. فتطبيق ذكي على هاتف ذكي لا يعني بالضرورة قطاراً ذكياً، وعرفت أن هناك من يدفع عشرة جنيهات بدلاً من مائة للسفر إلى القاهرة، اختبرت جودة القطار الذي يحصل عليه لقاء جنيهاته. تفهمت سكون الركاب والتمست العذر لهمجية الجماهير المتعطشة للعودة، تأكدت أن السفر قطعة من العذاب، خاصة إن كان سفراً عبر الطبقات.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.