المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد أبوبكر Headshot

رزقك فى الطابق الأعلى

تم النشر: تم التحديث:

هذه حكاية عن الرزق، وعن اتباع القلب ومخالفة الحسابات، في منتصف عام 2009 انتقلت إلى العاصمة الماليزية كوالالمبور للالتحاق ببرنامج تدريبي مدته ثمانية أشهر بشركة بتروناس - شركة البترول الوطنية في ماليزيا - فقد كان من شروط إتمام دراسة الهندسة بجامعتي الحصول على ثمانية أشهر تدريبية في سنة ما قبل التخرج.

كان خروجاً من دفء السكن الجامعي ورفقة الأصدقاء بإحدى المقاطعات الماليزية النائية إلى الوحدة ومعترك الحياة السريعة والأغلى في العاصمة.

عليك من الآن أن تدفع مقابل كل شيء، السكن والكهرباء والمياه والمواصلات والمأكل وغير ذلك من الضروريات، كان الراتب الشهري لهذا التدريب رمزياً -خمسمائة رينغيت ماليزي- وللتقريب كنت أدفع إيجاراً لغرفة في شقة سكنية نحو 750 رنجت، هذا بخلاف تكلفة الكهرباء والمياه.

فى بداية التحاقنا بالتدريب أخبرتنا مسؤولة الموارد البشرية أن الراتب سيتأخر قليلاً في البداية، بسبب أخذ الموافقات وتسجيل حسابات المتدربين وما إلى ذلك، اتخذت ما يمكنني من احتياطات وقمت بسداد كل التزاماتي مقدماً وشراء ما يكفيني من طعام والحصول على اشتراك في المترو، قمت بتغطية كل احتياجاتي لمدة شهر قادم، ولم يتبقَّ معي من نقود سوى 300 رينغيت.

كان التدريب في برجي بتروناس الشهيرين - twin towers - وكان مكتبي في الطابق السابع عشر من البرج رقم واحد، عند دخولك من البوابة يقابلك مصعد كهربائي كبير يصعد بك إلى الأدوار الزوجية، ولأنها المرة الأولى لي بالمكان صعدت عبر هذا المصعد الزوجي، لكنه بعد بداية الرحلة وعند توقفه في أي طابق فإن نظامه يسمح لك أن تنتقل إلى باقى الطوابق دون قيد، كان الحل سهلاً، أنتظر حتى يصبح المصعد خالياً وأذهب به إلى الدور السابع عشر، وقد فعلت.

في اليوم التالي فعلت نفس الشيء، كنت أضغط على زر الطابق الثامن عشر وعند وصولي إليه يصبح المصعد خالياً، فأضغط على زر السابع عشر في هدوء وسعادة، لقد تغلبت على هذا القيد التنظيمي وأفعل الآن ما أشاء، استمر الأمر على هذا المنوال وبدلاً من أن أبحث عن المصعد الفردي استمررت باستخدام المصعد القريب من المدخل.

قبل نهاية أسبوعي الأول كنت ذاهباً إلى العمل بنفس الطريقة، وعند وصولي إلى الطابق الثامن عشر لم يكن المصعد خالياً، انفتح الباب ولم يخرج أحد، نظر الجميع إليَّ فخرجت مضطراً منعاً للإحراج وتظاهرت أني سأدخل إلى الطابق عبر بابه الزجاجي، عند وصولي للباب وجدت ورقة تعلن عن تشكيل فريق كرة القدم الخاص بالشركة للمشاركة في بطولة للشركات، وأن من لديه الرغبة عليه أن يتقدم للمدرب - الذي هو أحد العاملين - قبل تاريخ محدد، كان هذا التاريخ قد مضى عليه أسبوعان كاملان، أحسست بقليل من الندم على فوات الفرصة في ممارسة رياضة أحبها بشدة، لكنني هاتفت نفسي ولِمَ الندم؟ لأحاول، ذهبت إلى الطابق التاسع حيث يعمل هذا المدرب.

بحثت عنه فوجدته، كان ماليزيّاً من أصول هندية، ذا بنية ضخمة وشعر اختلط فيه الأبيض بالأسود، قابلني بود وأخبرته عن رغبتي بالالتحاق، أخبرني بأن الوقت قد فات وسألني ما هو مركزي في الملعب وأين لعبت قبل ذلك؟ أخبرته بأني ألعب في مركز قلب الدفاع وأنني لعبت في دوري الجامعة في السنوات الثلاث الماضية، تفحصني بعينيه وقال لي: "يبدو أنك رياضي، يمكنك أن تأتي يوم الاثنين القادم في ملعبنا"، وأعطاني العنوان، لكنه شدد علي أنه سيكون اختباراً وفي حالة عدم اجتيازه فلن أكمل معهم، شكرته بشدة وذهبت إلى عملي، أتممت يوم العمل وتحصلت على إجازة يوم الاثنين كي أحضر الاختبار، لكني تذكرت شيئاً هاماً، ليس معي حذاء كرة قدم! فقد تركته بالجامعة مع باقي أمتعتي.

ذهبت في اليوم التالي أبحث عن حذاء ذي سعر مناسب فلم يعد معي سوى 300 رينغيت فقط، كان أقل سعر وجدته للحذاء 250. وبقيت في حيرة هل أشتريه بما بقي معي من نقود، أم أسافر إلى الجامعة محضراً لحذائي؟ لكن السفر سيكلفني 150 رينجيت ومعه مشقة السفر والعودة، أم أن عليَّ أن أعتذر عن الذهاب للاختبار، عزمت أمري واشتريت الحذاء!

فى صبيحة يوم الاثنين ذهبت إلى الملعب، كنت أخشى ألا أوفق وأكون قد أنفقت كل ما أملك من نقود على رغبة بلا طائل، تدربت مع الفريق وكنت الأجنبي الوحيد بينهم، قبيل نهاية التدريب كُلفنا بالتسديد على المرمى من مسافات بعيدة، أخذت الكرة وسددتها بقدمي اليسرى في الزاوية المعاكسة، ذهبت الكرة قوية في ارتفاع منخفض لترتطم بالقائم وتدخل المرمى، نظر إليَّ الجميع وأحسست أن لديَّ الآن فرصة، وأن النقود لن تضيع، انتهى التدريب واصطف الجميع أمام المدرب، أمسك بقائمة الفريق وقرأ أسماء اللاعبين فرداً فرداً وجاء عند اسم لأحدهم فأخبره اللاعبون بغيابه، رد عليهم بأنه قد غاب لأكثر من مرة، قام بشطب اسمه ونظر إليَّ قائلاً: "سأضع اسمك مكانه، أنت معنا".

أُعطينا خطاباً جُهز مسبقاً يعفينا من الذهاب للعمل لمدة أسبوعين لغرض التدريب والاشتراك في البطولة، ذهبت به في اليوم التالي وسلمته للمسؤولة عن الإدارة، نظرت إليَّ في تعجب ولسان حالها: "هو انت لحقت!"، قبلت مني الخطاب، وأصبح لدي أسبوعان من كرة القدم فقط، كنت أذهب في كل صباح للملعب مستقلاً المترو الذي اشتركت به، أُنهي التدريب الصباحي وأعود للمنزل للراحة والأكل ثم أذهب للتدريب المسائي، واستمر الأمر على هذا المنوال لأسبوع وظلت معي الخمسون رينجيت تحت حراسة مشددة.

بدأت البطولة في إحدى القرى الرياضية البعيدة عن سكني، تفضل عليَّ أحد زملاء الفريق بأن يقلني بسيارته عند كل مباراة، ولولا ذلك ما تمكنت من الحضور، فليس معي نقود للذهاب إلى الملعب البعيد عن خط المترو، لعبنا أربع مباريات وكانت تجربة جميلة ما زلت أتذكرها لكننا لم نتأهل للدور الثاني، تعرفت إلى الكثير من الزملاء الماليزيين الذين ما زلت على اتصال بهم إلى الآن، واستمتعت بلعب كرة القدم في تلك الفترة الطويلة.

قام المدرب بتجميعنا أمامه ووجه شكره إلى الجميع على ما بذلوه من جهد طوال فترة التدريب والبطولة، وطالبهم بالاستعداد لبطولة العام القادم، وشكرني بصورة خاصة بصفتي الأجنبي الوحيد بين المجموعة. كنت أنظر إلى حذائي في سعادة فقد استنفعت بما دفعته من نقود، أخرج المدرب من حقيبته قائمة حضور وطالبنا بالتوقيع عليها لإثبات حضورنا للبطولة، ومع التوقيع أعطى كل لاعب منا مظروفاً به نقود نظير المشاركة! لم أكن أعلم طوال هذا الوقت أن هناك مقابلاً لذلك.

انتهى اليوم وعدت إلى المنزل متشوقاً لمعرفة كم تبلغ هذه المنحة، هل ستعوضني عن ثمن شراء الحذاء؟ لا أدري، يبدو أنه يوم سعيد للغاية، ها هي ألف رينعيت بالتمام والكمال، الحمد والشكر لله.

في طريق عودتي من الملعب مع زميلي الماليزي الذي اعتاد أن يقلني معه، أخبرني أنه يقيم بمفرده في منزل مستأجر، وأنه يرغب في إيجار إحدى الغرف ليتخفف من التكلفة، لكنه متردد في أن يقيم مع أحد الغرباء، سألني إن كنت لا أمانع أن أقيم معه وأنه سيؤجر لي الغرفة بثمن معقول أقل من غرفتي التي أقيم بها، كان شخصاً ودوداً ذا احترام فأخبرته بالموافقة على الفور.

خرجت من منزلي في هذا اليوم لألعب مباراة في كرة القدم، وعدت في ليلتي محملاً بنقود وعرض لسكن أقل نفقة.

يسمع المرء كثيراً عن الرزق وتدابيره وتتكرر آيات الرزق في مسامعنا، لكن ليس من سمع كمن رأى وقد رأيت "يدبِّر الأمرَ يفصِّلُ الآياتِ لعلَّكم بلقاءِ ربِّكم توقنون"، تعلمت في هذا اليوم السعيد أن رزقك سيأتيك ولو كان في الطابق الأعلى.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.