المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد عبدالوهاب Headshot

يوم التخرُّج وزحام مشاعر

تم النشر: تم التحديث:

التخرُّج.. كلمة ليست جديدة على مَسامِعنا بالتأكيد، فكثيراً ما نسمعُها تُقال حَولنا، ومنّا مَن له أقارب مرّوا بهذه التجربة وقاموا بوصف بعض لحظات يوم تخرجهم، ومنّا مَن كان شاهداً على حفل تخرج أحدهم.. حسناً، على أية حال لم أكن واحداً من أولئك الذين كان لهم فرصة حضور حفل تخرج أحدهم مُسبقاً.

استيقظتُ اليوم بشعورٍ مختلف، فاليوم تخرُّجي، أو يوم تسلّم شهادة تخرُّجي في حفل رسمي تنظمه الجامعة والكلية.. شعورٌ جديد وإحساس مُختلف، لا أعرف مسمى لهذا الشعور أو هذه الحالة، لكن ما أعرفه أنه خليط ومزيج من المشاعر يصحبُ يوماً يدوُّن معه أول سطر في فصل جديد من كتاب حياتي.

بدأتُ أستعد لهذا اليوم المُميَّز وارتديتُ ما يدلُّ على أنني ذاهب لحضور شيء رسمي أو هام بحماسٍ شديد ممزوج بأشياء أخرى..

آه! يبدو أن هذا اليوم يقوم بتحفيز أشياء عديدة ساكنة بداخلي، سأحاول أن أتحمَّل هذا التبايُن الذي يقيمُ حرباً بداخلي، تجهزتُ وهممتُ بالخروج مِن المنزل.. أثناء وجودي بداخل السيارة وفي طريقي للحفل تذكرتُ مراحلَ رحلة الدراسة التي دامت لثمانية عشر عاماً، تذكرتُ أبرز ما يميزُ كل مرحلةٍ من هذه المراحل، من الروضة فالابتدائية ثم الإعدادية إلى الثانوية، ومنها إلى الجامعة، كانت كل مرحلة لها خصائصها التي تُفرّقها عن المرحلة السابقة أو المرحلة التي تليها، لكن بالنسبة لي كان هناك بعض الخصائص المُشتركة التي رافقتني خلال كل هذه المراحل وهي أنني كنتُ دائماً أميلُ إلى تكوينِ عدد قليل من الأصدقاء، فلطالما آمنتُ أن قيمة الأصدقاء لم تكن أبداً في عددهم وإنما فيما يمثلون لنا، كنتُ دائماً أشعرُ بشيء من التميُّز عمّن حولي، وهذا ليس لأنني كنتُ أقومُ بما لا يستطيع الآخرون القيامَ به أو شيء من هذا القبيل، لكنني كنتُ مُميّزاً بشيء داخلِى أنا، شيء لم أستطِع أن أجده فيمن حولي، كنتُ في جميع مراحل حياتي السابقة أميلُ إلى عدم الاختلاط كثيراً بهذا المجتمع، كنتُ حقاً لا أجدُ نفسي فيه، كنتُ أتطلع دائماً إلى مجتمع مختلف، مجتمع أشعر فيه بحُرّية روحي، وليس مجتمعاً ضاغطاً مضغوطاً كالذي وُضِعتُ فيه..

كنتُ كثيراً ما أنجح في خَلق عالمي الخاص الذي استعضت به ووجدتُ فيه عزائي عن العيش في مثل هذا المُجتمع.. نعم! كنتُ ناقماً على أوضاع المُجتمع منذ صِغري.. آه! كَم هي سريعة الأيام وكَم هو غريب الزمان في تقلُّباته وتحوّلاته، وكأن الوقت سَمِعني فأراد أن يجيبني بالإيجاب، وأن يُثبت لي صحة ما أقوله فبالفعل قد مرّ الوقتُ سريعاً فها أنا على وشَك الوصول إلى مكان الحفل، نزلتُ من السيارة وتمشيتُ قليلاً.. لم آتِ إلى هذا المكان منذ قرابة الأربعة أشهر، يجب أن أعترف أنني شعرتُ بشيءٍ من الدفء كأثر لبعض الذكريات التي عشتها في هذا المكان خلال الأربع سنوات التي ساعدت بشكل كبير في تكوين شخصيتي، وساهمت بشكل مباشر أو غير مباشر في نضجي الفكري والعاطفي والنفسي.

أمام مكان الحفل الذي لم يبدأ بعد التقيتُ ببعض الزملاء والأصدقاء الذين افتقدتهم بشكل كبير، حييتهم بحرارة وبتبادل البسمات والضحكات معهم، ثُم قُمنا بالتحدث لبعض الوقت عن أحوالنا وفيما وصلنا إليه وما نُخطط لِفعله في المُستقبل القريب، ثم قُمنا بالطبع بالتقاط بعض الصور معاً، صُور تملؤها الضَحِكات والتطلّع إلى مُستقبل أفضل.. ثم توجهنا إلى داخل مسرح الحفل.

دخلتُ المكان الذي يبدو أنهم قاموا بإعداده جيداً إلى حد كبير كي يكونَ جاهزاً لاحتواء يوم كهذا، العُمال يذهبون ويأتون في خُطى سريعة على منصة المسرح في إشارة لاقتراب موعد بدء الحفل.

ذهبت لأجلس في منتصف المقاعد كما أميلُ إلى أن أفعل دائماً، مر بعض الوقت وامتلأ المسرح بالناس، وبدأ الحفل كالعادة بالسلام الوطني، ثم تحدّث كل أستاذ في دوره بما لديه ليقوله عن هذا اليوم، وبمرور بعض الوقت جاء دور فقرة خطاب التخرج التي تم تخصيصها لمن يريد من الطلاب أن يقولَ بعض الكلمات لتكون شاهدة على يوم تخرجهم، بالطبع كنتُ قد أعددتُ بعض الكلمات لمثل هذا اليوم، بعض الكلمات التي ربما باستطاعتها توصيل جزء مما أشعر به، قام بعض زملائي وأصدقائي بإلقاء خطاباتهم بالتتابع، ثم جاء دورى وبإثارة وحماس شديدين قُمت من مكاني مُتجهاً إلى المنصة، صعدت الدرج وبعد عدة خطوات وصلت إلى المنبر لإلقاء الكلمة.. بدأتُ خطابي بشكر كل من قاموا على تنظيم الحفل وتقدير مجهوداتهم، ثم انتقلتُ لشكر والدي العزيزين اللذَين كانا دائماً بجانبي طوال الوقت كما يفعلان اليوم بوجودهما بين الحاضرين؛ كي يشهدا حفلَ تخرجي، كانا مرجعي الذي أرجع إليه كلما قامت بخنقي يد المجتمع الخارجي.. أبي وأمي مهما قلت لن أوفيكما حقكما أبداً، دُمتما لنا وأطال اللهُ في عمريكما بالصحةِ والعافية، ولأن العملية التعليمية تتكون دائماً من جزأين لا ينفصلان عن بعضهما مطلقاً ألا وهما الطالب والمُعلّم؛ لذلك قُمتُ بإعطاء الأهمية الكُبرى من خِطابى للمُعلّم، وكان نَصّ هذا الجزء كالآتي:

"تحيةُ شُكرٍ وتقديرٍ وامتنان إلى كلّ مُعلّمٍ رائع سانَدنا وأيَّدَنا خلالَ كلّ مرحلةٍ مِن مراحلِ رحلةِ دراسَتِنا التي استَمرّت ثمانيةَ عشرَ عاماً، حتى وإن كان ذلك بأبسطِ الطُرقِ المُمكنة - ككلمةٍ أو ابتسامةِ ثقة - شُكراً لكُم لأنكُم كُنتم عَوناً، كُنتم دفعةً لنا للمُثابرةِ والتَقدُّم، كُنتم شعوراً عظيماً، لكُم في القلبِ مكانٌ وفي الوجدانِ ذكرى خالدة.. أمّا إلى كلّ أستاذٍ لم يؤمنْ بنا أو كان يوماً هِزةً لثِقتنا، إرهاقاً لجسدنا، ألماً لروحِنا، لكُم أنتم أيضاً تحية، لكنّها تحيةٌ مِن نوعٍ آخر، تحيةٌ تحملُ بينَ ثناياها ذكرى حزينة، ذكرى دامعة، ذكرى أعاننا اللهُ على نسيانِها ونسيانِكم.. لكم تحيةُ وداعٍ أبدي، فليس لكُم في القلبِ مكانٌ ولا في الوجدانِ مُتّسع".


صَمَتُّ لوهلة ثم أعلنتُ أنني انتهيتُ من كلمتي وهَمَمتُ بالنزول من المنصة، ثم وصلت إلى مكان جلوسي، وتابعتُ الخطابات التالية، كانت هذه آخر فقرات الحَفل، وعندما انتهت طُلِب منّا الصعود إلى المنصة لأخذ بعض الصور التذكارية، صَعَدتُ بحماس شديد وانطلاق رائع، كنا نرتدي معطف التخرج الأسود وقبعته المشهورين، كان شعوراً مثيراً جميلاً متداخلاً صحب قيامنا بالحركة الشائعة، وهي أن نُلقي بقبعة التخرج إلى الأعلى في نفسِ الوقتِ معاً، التقطنا العديد من الصور التذكارية اللطيفة التي ملأها المرح والحماس والطموح، لكنها لم تخلُ من لمسة قَلقٍ من مُستقبَل ضبابيّ.. تجمّعتُ أنا وبعض الأصدقاء الغاليين الأعزاء الذين كونتُهم في الكُليّة وخرجنا كي نحظى ببعض الوقت معاً ولنحتفل بأنفسنا بشكل أكثر خصوصية وأكثر تركيزاً.. قضينا بعض الوقت سوياً، كانت لحظات رائعة وممتعة ودافئة تبادلنا فيها الحديث عن مواضيع عدة، لكن كعادة الوقتِ دائماً يسرقنا، يخطفنا، فلا نشعر إلا عندما يُنبهنا ميعادُ الرحيل والفراق، بدأ كل منّا بالإصغاء لهذا المُنبّه المُزعج، فاستعد كل واحدٍ منّا لوجهته، تعاهدنا على أن نبقى على اتصال دائم ببعضنا البعض، وألا تُلهينا الحياةُ ومشاغلها، أن يتذكر كل منّا الآخر، وألا ننفصل وجدانياً وإن انفصلنا جسدياً رُغماً عنّا..

آه! كان يوماً دسماً مُزدحماً بالمشاعر والأفكار والذكريات.. كان يوماً رائعاً.. يوم سيظل في ذاكرتي إلى الأبد.. يوم التخرُّج.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.