المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد عبدالوهاب Headshot

غربة وحنين ولكن..

تم النشر: تم التحديث:

بالتأكيد كلنا نعرف أمير الشعراء أحمد شوقي، وأتذكر على المستوى الشخصي في المرحلة الثانوية، أنهم قد قرروا علينا دراسة إحدى قصائده التي كان منفاه هو الملهم له لكتابتها، كانت تسمى "غُربة وحنين" والتي كان يصف فيها عشقه لوطنه ومحاولة استرجاع ذكريات الصبا والشباب فيه، وحنينه واشتياقه للعودة إليه واستكمال ما تبقى من أيام عمره فيه وتمنيه أن يُدفن في أرضه.

وإذا نظرنا حولنا فسنجد أنه مع نهاية القرن الماضي، ومطلع القرن الذي نعيش فيه الآن، قد أصبحت فكرة السفر خارج الوطن هي المُسيطرة على أفكار الشباب العربي، ببساطة أصبح السفر هو المَنفذ الوحيد لهم لتحقيق مستقبل علمي أو عملي أفضل أو كلاهما، أصبح السفر هو طريق الخلاص الوحيد من كل سيئ يجدونه داخل موطنهم.

ومن البديهي والمتوقع أنه عندما يبتعد الشخص عن المكان الذي وُلِد فيه، وتحدث لغته التي أصبحت لغة أحلامه فيما بعد، المكان الذي كوَّن فيه أوائل أصدقائه وفيه أهله، فإنه يشعر بالوحشة في المكان الجديد الذي أصبح يوصف فيه بالغريب، ومن هنا يبدأ إحساس الغربة والذي يتبعه بالضرورة الإحساس بالحنين إلى مقر الذكريات إلى ذلك البلد ذي الوضع الخاص بالنسبه له، إلى الوطن!

لكن هل تعرفون الفارق الجوهري بين حالة عملاق الشعر أحمد شوقي وبين حالة الشباب التي نحن بصددها الآن؟

في كلتا الحالتين كان النفي هو السبب في الاضطرار إلى الاغتراب خارج الوطن، لكن الفارق الجوهري يا سادة هو أن عملاق الشعر العربي أحمد شوقي تم نفيه بسبب معارضته لسياسات الاستعمار الإنجليزي لمصر، أي أنه كان منفياً نفياً سياسياً واقعياً، أما في حالة الشباب العربي التي نحن بصددها الآن، فالوضع مختلف قليلاً، فالشباب أصبحوا يشعرون بأنهم غير مرحب بهم في بلادهم، أصبحوا يشعرون أن الوطن ليس هو المكان المناسب لتحقيق أحلامهم في مستقبل أفضل، كأنه يتم طرد كل مَن له طموح أو أفكار معينه منهم بطريقه غير مباشرة، يُنفون نفسياً، والغريب في هذه الحالة هو عدم وجود المستعمر الأجنبى، وكأن المستعمر الوطني قد أخذ مكانه!
ومن هذه النقطة تحديداً قد استوحيت عنوان مقالي هذا "غربة وحنين ولكن!".

عندما شعر أحمد شوقي بالحنين إلى وطنه لم يكن يستطيع العودة لأنه كان منفياً سياسياً، وذلك كان العائق الوحيد والحائل بينه وبين تحقيق أمنيته في العودة إلى الوطن الحبيب، ولكن ما الذي يعيق الشباب العربي الآن من العودة إلى أوطانهم الحبيبة على الرغم من اشتياقهم للعيش فيها مرة أخرى، وعلى الرغم من أنه لم يتم واقعياً نفيهم سياسياً خارج الوطن.

إذن هم يستطيعون العودة إلى أوطانهم، لماذا لا يعودون؟! وللإجابة على هذا السؤال المحير قمت بطرح هذا السؤال على مجموعة من أصدقائي العرب المغتربين عن أوطانهم، لماذا لا تعودون؟!

وكانت الإجابات كالتالي:

- لكن كيف نعود والوضع من سيئ إلى أسوأ في العراق، الله ينتقم من كل من ساهم في وصول بلدنا إلى هذا الحال، نحن حالياً لا نخطط للعودة مطلقاً إلى العراق، نحاول أن نلتفت أكثر إلى مستقبلنا في البلد الذي انتقلنا للعيش فيه الآن.

- لكن كيف نعود وسوريا تقصف بالصواريخ كل يوم، كيف نعرض أنفسنا لخطر الموت الذي يمكن أن يصيبنا في أي لحظة وأي مكان، الشام لم يعد مثلما كان من قبل بسبب الحرب الأهلية.

- لكن كيف نعود ونحن معرضون أن يتم اعتقالنا لحظة وصولنا المطار، بدعوى الانتماء إلى جماعة إرهابية أو تمويلها أو أي تهمة من تهمهم العديدة التي يمكن أن تلصق بهم، يا أخي يكفي ما أصابنا منهم حتى الآن، فقط ندعو الله أن يحسّن من الأوضاع في مصر.

كم أحسست بأوجاعهم وآلامهم وهم يجيبون على هذا السؤال! كم كانت كلماتهم حزينة! كنت أحمق كبيراً عندما ظننت أنهم لا يريدون العودة بمحض إرادتهم أو أنهم ناكرون لأفضال أوطانهم عليهم!

ولكن تبقى هناك عدة أسئلة محيرة أيضاً لا تزال تطرق ذهني طرقاً، مثل.. إلى متى سيظل وضع العالم العربي هكذا؟ هل سيتمكن هؤلاء الشباب من العودة يوماً ما؟ هل بالفعل يمكن أن تتغير الأوضاع في العالم العربي؟

سأترك الإجابة للأيام فهي دائماً خير مجيب للأسئلة المحيرة الموجودة في أذهاننا، ولا يسعني سوى أن أدعو الله بأن يمنحنا القوة حتى نغير من أنفسنا وأختم هذا المقال بالآية الكريمة "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" صدق الله العظيم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.